- ما فعلته كثير. ذات مرة كنت ماراً قرب جامع، كان الوقت ظهراً، المصلون خاشعون يؤدون صلاة الجمعة، الأحذية الجديدة تلمع. وقفت طويلاً أفكر ماذا أفعل؟ لم يطل جمعت عشرين زوجاً وعدت إلى البيت
- ماذا فعلت بها؟
- هذه قصة تطول ....
- استغفر الله وتب توبة نصوحاً، إنه القائل " ادعوني استجب لكم " الآن هيا توضأ وقف خلفي .
- التوبة حصلت، لكن من يضمن غفران الله !
- اسكت يا ولد، أنا أعرف أن قلبك أبيض كالقطن، فقط عليك أن تغيّر بعض طباعك، ألم تسمع مدير السجن وهو يقول من لا ....
لم يكمل جملته حسان قاطعه وطالبه بعدم المشيخة.
- دعني اكمل كلامي، قبل مدير السجن قالها آخرون، هل أنت من الذين يثبتون على الكلمة والموقف. آه منك فقط لو تجيب ... لا تمد يدك النجسة إلى ذقني، ابعدها ياولد، إنها مقدسة. ألم تسمع كلام كوبا وهو يقول عن يده بأن لها مفعولاً سحرياً .
حسان اسم على مسمى وجوده يبعث على الفكاهة والأمل، لكنه عندما رأى الجميع يتطلعون إليه يمتدحون قوله أردف عباس:
- في البداية توقعت أنك عبثي لا يهمك سوى النيل من الآخرين، كنت مخطئاً في هذا التصور، أنت شعلة أيها الأخ تضيء ضحكاتك ظلام قلوبنا، فبقدر ذلك تتوهج. أدامك الله لنا لنطرد الكرب والحزن .
في اليوم الثاني كان الصباح باهتاً، استيقظوا على صوت العسكري وهو يصيح "اسفيرا " ويضع الطعام عند الباب. النعاس يملأ الجفون، الوحيد الذي صحا مبكراً حسب عادته الشيخ عباس صلى ودعا الله أن يعينهم على التحمل .تابع دعاءه للسجين الذي طلب أن يعيده الله إلى أهله سالماً والمسافر إلى بلده والحبيب إلى محبوبته، كاد يغفو وهو يردد الجملة الأخيرة التي لها وقع الصاعقة على نفسه، صحا، فتح عينيه، تذكر الماضي الذي أتاه كما جاء الصباح مشرقاً. تظاهر بالنعاس، ليحتفظ بذاك الوهج الآتي مع الذكرى، شفتاه تتحركان، تتمتمان بكلمات غير مسموعة ولا مفهومة، قلبه يقفز، رأسه يؤلمه، أصابعه تمرر حبات السبحة وعقله يستحضر لحظات المتعة مع خطيبته التي أودعها حبه. تغيب عن فكره وتأتيه بكامل عنفوانها وزينتها، تذكر دفء أصابعها وهو يسبّح.
قال حسان :
- مابك ياشيخي ؟
- استغفر الله العظيم !
- وهل كفرنا بالعظيم، إذا كنت تفكر في أمر ففي صدري مستودعك .
- دعك من ذلك أيها المتطفل .