تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان ذاك اليوم هو الخامس عشر من تموز، الشمس أرسلت أشعتها إلى العالم كافة، ومع تصاعدها إلى أعلى أرسلت خيوطاً دقيقة تسللت إلى داخل الغرف. هذا اليوم مميز في كل ما حمله الجو الرمادي والرياح الخماسينية التي لا ينقطع هبوبها، تراجعت، فبدت النقب أليفة، حملت ساعات النهار الأولى الندى الذي عطر الجو وألقى بعض حمولته وطراوته على السجن، في حين شعر السجانون أنه يوم أغبر. يوم سيذوقون فيه الأمرين، سُيصب الغضب عليهم، وصمود أول يوم معجزة. أمر غريب أن يكون الشعور باليوم مختلفاً. الأشعة تصل إلى صدر كل سجين وقلبه، تنير وجوههم وتترك البسمة على شفاههم. حيطان الغرف السميكة تحولت إلى زرقة أشبه بزرقة البحر أو السماء. زرقة تهب عصافير القلب لغة الكلام، فيسمع التغريد الذي يجاوب في الغرف مع صوت " الله أكبر" الذي انطلق من حنجرة عباس وردده الجعفري ثم ردده الجميع. قال بصوت مسموع " نويت الإضراب لوجه الله والوطن " ثم صلى أربع ركعات وقعد ماداً يديه على ركبتيه، استغرق في الدعاء، فرددوا خلفه أمين، شعر عباس بأنه أشبه ما يكون بقائد وطني، استعد لأي طارئ، وقال بينه وبين نفسه " الإضراب عمل جبار نثاب عليه، وهو يشبه العبادة إلى حد كبير، فالصوم لأجل الوطن تضحية ما بعدها تضخية ".

تذكر آراء القديمة، ابتسم في سره وأقر بأن الإنسان يتعلم. كانت أحاسيس السجناء متباينة، أفاقوا باكراً، دخل الشاويش ومعه عسكري صاح بصوت مرتفع " اسفيرا " بعد العد الصباحي، قاما بتفتيش الغرفة، قلبوا كل شيء رموا الأغطية جانباً والأمتعة، ثم ألقوا شتيمة وخرجوا إلى الغرفة الثانية وهكذا حتى أنهوا الغرف.

لم يترك عمرام انجيلا دون أن يطيب خاطرها، وعدها بسهرة حمراء قبل أن يغادر مخدعها .

روايات · الصفحة ١٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢١٦