صمت ولم يجب، سقطت من عينه دمعة جففها دون تشعر بذلك، نظرت إليه وتابعت حديثها: نحن لا أحد لنا في هذه الدنيا. إذا لم تعد يا ولدي سأموت، وصيتك أختك ابتسام وهذا الصغير الذي ستكون أباه وأمه.
إشارات إلى باسم ابن السنوات الأربع، انزوى في الغرفة، ثم خرج بعد مدة وهو يمسح عينيه. يوم قام بالعملية مع رفاقه لم يلق القبض إلا عليه، قالوا بأن مسؤول الدورية نجا بنفسه وهو نائبه، وإن صديقه محمود قتل في أرض المعركة. أما هو فقد أصيب، الخامس احتفى لا أحد يعرف عنه شيئاً. أثناء التحقيق واجهوه بحقائق يجهل بعضها قالوا له :
- نحن نعرف كل شيء.
- ولماذا تسألونني؟
- لنعرف مدى صدقك.
توالت أسئلتهم عن اسم المسؤول وموقع القاعدة ونوع السلاح الذي تدرب عليه، ثم انتقلوا إلى أسئلة حول وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وأسئلة أخرى عن حارته وشبابها، ثم عن القواعد الأخرى التي يعرفها لمنظمته، وأخيراً الدولة التي انطلق منها.
بعد انتهاء التحقيق، ندم على إجاباته، لقد أعطاهم معلومات معظمها صحيحة، لأنه لم يستطع تضليهم في أسئلة لا تحتمل إلا إجابة محددة ودقيقة ... الشيء الذي لم يبارحه وضع أمه المريضة وشقيقته وشقيقه الصغير. ذات مرة حدث عمر بكل شيء، قال له والدموع تبلل خديه وثيابه:
- لقد أعطيتهم كل ما أعرفه ليتني مت ولم أفعل ذلك، أنا نادم .
- هل بإمكانك أن تقول غير ذلك ولم تفعل ؟!
- كلا فهم يعرفون عنا كل شيء!
- الذنب ليس ذنبك، البيت من الداخل ليس نظيفاً .
وضع عمر يده على جبينه، تذكر كيف يبني مسؤولوا القواعد أمجادهم على مثل هؤلاء. كيف يبعثونه لتنفيذ عملية وهو لم يتجاوز السادسة عشرة، كان الأجدر بمسؤول قاعدته أن يقودها بنفسه ولكنهم يفكرون بالطريقة ذاتها. هؤلاء ليسوا قادة، لأسباب عدة منها ما ذكرته .
نظر إلى عيني فادي وخديه المبللين. عيناه حمراوان، ناداه تعال ياأخي اقترب مني، مسح دموعه، ولكي يخفف عنه أبلغه أنه سيسأل عن أحوال أمه وسيتلقى جواباً بعد أسبوعين على أبعد تقدير .
ارتسمت ابتسامة على ثغر فادي، صرح بأنها أول ابتسامة منذ سنين، ومع ذلك ظل قلقاً حتى جاء الجواب المطمئن عن وضعها، حمد الله وقال لعمر رداً على ما فعله:
دعني أيها الرفيق أنضم إلى تنظيمك
سنفعل ذلك أذا اقتنعت .