تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توالت الاجتماعات السرية مع رفاقه واصدقائه الذين يخططون لإقامة جبهة نضال شعبي ضد الاسرائيليين، تتألف من بقايا التنظيمات السياسية، من هؤلاء صبحي غوشة وفايز حمدان وتيسير قبعة ومحمد النايف وأبو اصطيف ووليم وكمال...

- الفصل الخامس -

انفتح باب الغرفة رقم تسعة، ظهر وجه الحارس، تقدم خطوتين، خاطبه بكلمات عبرية فيها الكثير من الفكاهة والدماثة، وألقى ورقة عبر الكوة الصغيرة. من بعيد شاهد إلياهو ذلك فصاح بالحارس :

- يا أبله استغفلك وألقى رسالة داخل الغرفة، عقوبتك ستحددها الإدارة .

انتفض العسكري وتغيّر لون وجهه.. تقدم الشاويش وأمسك بعمر وجره للتفتيش .

" اشلح ملابسك أيها المشاغب ... اخلع حتى ملابسك الداخلية، هيا بسرعة ليس لدينا وقت " نفذ العسكري ماطلب إليه وفتش كل قطعة من الملابس، ثم ألقاها بوجهه ورفع سماعة الهاتف وأبلغ نائب المدير، الذي أمره بوضع عمر في المنفردة عشرة أيام .

جدران الزنزانة وحوش ضارية، تنشب مخالبها في جسده، في عقله الذي يكاد يتوقف عن العمل، في هذا الوقت الذي هو بأمس الحاجة إلى الرفاق، ليرعى خطواتهم خطوة خطوة، يبتعد عنهم، نظر إلى حيطان الزنزانة، تأملها، شاهد جدرانها تتصارع، وعليه مصارعة النوم والوقوف ساعات طويلة، عقوبته أن ينام واقفاً بلا فراش ولا غطاء. طلب تنشيف أرضية الزنزانة من الماء، كما طلب فرشة وغطاء، أجابه الشاويش بالرفض. جاد له حول الرطوبة والمرض وسوء وضع الزنزانة، ضحك إلياهو ضحكة صفراوية وأجاب:

- كيف تكون العقوبة مجدية إذا لم تكن كذلك، ومثلك كالحديد لا شيء يؤثر به، حتى المرض يبتعد عنك، افترض إنك مرضت، فالممرض " كوبا " وغيره موجود لخدمتك، كل شيء له علاج عندنا، جرب أن تمرض بالروماتيزم أو الشلل أوفقدان العقل، ستجدنا بخدمتك، وستجد لدينا ما يسرك، وسنكون مسرورين منك، وقد نفكر بإطلاق سراحك. أليست هذه مغريات تستحق التجريب ؟!

هز عمر رأسه، بدأ شريط التعذيب يرسم صوراً تتحرك أمام مقلتيه، وبين الرؤى والرؤيا تتفتت الأغنية إلى نتف حزينة، ترنم بأهازيج أعطته دفعاً للمقاومة، تذكر كيف يعذبونه، وعندما يمرض يقولون بأنهم في خدمته، نظر إلى إليا هو نظرة فيها الكثير من القوة، مما دفع الشاويش إلى الانسحاب. لقد قرر أن لا يكون ضعيفاً حتى لو أشرف على الموت، لن يظهر ضعفه، بل سيظل يدندن ويسمع شبابة أبي القاسم الشابي التي تعطيه القوة والحياة والتحدي .

روايات · الصفحة ١٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٠٨