فرح مصطفى لأمرين، ثقة أخيه فيه تتزايد يوماً بعد يوم، ولأن طلبه هذا يعني أنه سيستخدمها لطبع البيانات والمنشورات، ابتسم في سره، فكر من يصطحب، قال بينه وبين نفسه الذي يصلح لمثل هذه المهمة هو صديقه محمود جاد الله، الذي يسكن في حارة السعدية. ماذا يقول له؟ قد لا يوافقه على السرقة، عندها لابد من توضيح الأمر .
انطلق إلى محمود عصراً، رفض في البداية المساهمة، لكنه عاد وواقف كما توقع، وقع اختيارهما على مدرسة خليل سكاكيني، استطلعاها وقررا تنفيذ العملية، سورها الواطئ وزجاج نوافذها المكسور يساعدان على ذلك .
قفزا من فوق السور، واجهتهما شجرة كينا عالية، أغصانها وأوراقها تسدّ النافذة. تسلقاها وعلى المستوى المطلوب، انحدر من غصن أعلى بقليل، انزلق محمود وكاد ينزل دفعة واحدة من الشجرة إلى داخل الغرفة. تمسك بالنافذة، أحدث صوتاً قطع السكون. قعد على أرض الغرفة، راقب الطريق ونظر إلى البعيد من النافذة المفتوحة ... تأكدا بعد فترة ترقب، أن هذا الصوت لم يثر أحداً، سيقولون، ربما هو صوت إطلاق أوانفجار. الناس لا يجرؤون على الخروج. عندما اطمأنا إلى تحليلهما وأيقنا من خلو المنطقة. استعدا لتنفيذ القسم الأهم من هذه العملية وهو إنزال الآلتين ووضعهما في المكان المتفق عليه، تعاونا على انزال أول واحدة. بعد أن صارت خارج النافذة، قفز مصطفى إلى السور وتناولها، قفز محمود إلى السور ثم أرضا وتناولها ووضعها في مكان مستور من المسيل. أعادا المحاولة بثقة أكبر وأنزلا الآلة الثانية بالطريقة ذاتها، ووضعاها في حفرة إلى جانب أختها. قعد مصطفى إلى جانبهما بينما عاد محمود إلى السور تسلق وأغلق النافذة، نفضا ملابسهما، أسرعا بالعودة للتخلص من رائحة مسيل المجارير. افترقا قبل أن يصلا إلى حي الشيخ جراح.
في صباح اليوم الثاني غير عمر ملابسه، أحضر عربة خضار دفعها أمامه، ذهب إلى السوق، اشترى بعض الخضار والفواكه، وبدأ ينادي كبقية البائعين المتجولين. قصد مدرسة خليل سكاكيني، أوصل العربة قريباً من هناك، فتح الدّرج الأسفل ووضع الآلتين، وتابع نداءه على الخضار والفواكه. غاب طوال النهار وقبيل منتصف الليل عاد دون العربة ودون الآلتين. سأله مصطفى فلم يتلقَ منه جواباً مقنعاً. فهم أن الأمور تجري على ما يرام، عمر دائم الحركة يغيب عن المنزل أياماً عدة، ليال يبيت خارج غرفته .