مشت إلى جانبه، وصلا إلى أرض محروثة، قفزت كراعية ماعز وأخذت تمشي خبباً، أسرعت لتجتاز وعورتها، سبقته، أسرع خطواته، كاد يهرول، انتبه إلى ثدييها اللذين يرتفعان وينخفضان بحرية، يمارسان طقوس الرقص بعفوية تامة، أغلب الظن أنها لم تؤطرهما بحمالة الثديين، فكانت رياضتهما أشبه ما تكون بحركة غجرية راعشة .
ارتدت ثوبها على عجل حين دب الخبر في القدس، النيران متصاعدة عند بيت أبي عدنان، سألت عن سر توافد الناس إلى " الشيخ جراح " وبالتحديد إلى بيت أبي عدنان، خافت، الناس لا يأتون إلا في حالتين الفرح أو الترح، وبما أن الفرح قد غادر القدس وكل المدن العربية بعد إجراءات الحرب، فالشيء الذي فكرت فيه جعلها تركض. قبل أيام أفرج عن عمر بكفالة نقدية، وقع والده تعهداً، نص على أنه المسؤول عن أي تصرف لأبنه يخل بالأمن والنظام .
تجاوزا الأرض المحروثة، حيث الأشجار والبساتين تمتد على مساحة واسعة، وقفا إلى جانب شجرة خضراء سامقة كالنخلة، النسمة تبعث في أغصانها الموسيقى ، حفيفها نغم أشبه ما يكون بصوت كناري، عليها طيور لا تبدو ألوانها بسبب العتمة، تخيل حفيف أوراقها وزقزقة عصافيرها، ابتعدت عبلة عنه، ناداها، ركض خلفها، ابتعدت، أعادها إلى الشجرة، دارا دورات حولها ثم ركضا في أرجاء الغابة .
مالت الشمس إلى المغيب قبل ساعة، وأخذت بقايا الألوان الأرجوانية بالانسحاب، بينما أخذت النجوم تركض لتشعل قناديلها، أما القمر فقد بدأ يثبت في محاولة لأخذ مكانة الشمس .
أمران يشغلان فكره، الحرب وعبلة، الحرب لن يكون له الكلمة الأولى فيها ولا حتى الأخيرة. الدول تتصارع، وربما تقع بين لحظة وأخرى أنا عبلة فعلى الرغم من تجاهله لنداءات قلبه المتكررة، فقد وصل إلى درجة لا يستطيع معها البقاء بعيداً عنها. لقد صارت كل حياته، يخرجان قبيل الظهر ولا يعودان إلا مساء. تذهب إلى بيتها وهو يلف على أصدقائه .
لم تعد قصة حبه خافية، القدس المدينة الكبيرة، توزع أسرار أبنائها فتصير صغيرة كقرية يعرف سكانها بعضهم بعضاً، لاشيء يخفى، تناقلوا قصة حيه من شخص لآخر، وعندما وصلت إلى أمها لن تفاجأ ولم تعلق. سألت ابنتها عرفت أنها مولعة به فدعت من كل قلبها:
" الله يبعث الخير، عمر جيد وكل الفتيات يتمنين الارتباط به، تكونين صاحبة حظ يفلق الصخر إذا تقدم لخطوبتك " .