وصل الخبر إلى الحارات القريبة التي شاهدت ألسنة النيران المتقدة، قالوا إنها توهجت في المدن والقرى المجاورة وكان لها ما يشبه لمعان البرق، قيل إنه بريق البنادق حين وضعت في الماء المغلي، ومنهم من قال إنه لسان نار وحد الأرض مع السماء، البارقة التي انطلقت من الشيخ جراح، شاهدها كل مبصر على بعد كيلومترات. منهم من التزم الصمت يراقب البنادق باندهاش وهي ترسل لمعانها. استمر توافد الناس إلى الفرح وكأنهم جاؤوا للمشاركة بالحناء والليالي التي تسبق يوم الزفاف، حضروا جماعات يرددون الأهازيج والأغاني , رحب أبو عدنان بضيوفه، عمل القهوة أولم الذبائح، كان وجهه متهلاً صب القهوة، ودار كعادته من اليمين ثم صب للنساء. سمع كلمة بالأفراح ودايمه وغيرها من مئة شخص وربما أكثر. أكل الموجودون ومسحوا أيديهم بذقونهم دعوا " إن شاء الله بهزيمة الصهاينة الخنازير " ومنهم من قال " نأتيك بالأفراح (وعقبال) زواج أولادك " .
التقت عيناهما وخوفاً من أن تفضحها نظراتها اختبأت وراء أم عدنان، فأطلقت الفتيات الزغاريد والمهاهاة، فازدادت خجلاً، شاهدتها أم عدنان تنظر إلى عيني ابنها، فراق لها ذلك، فتحت كفيها وقرأت الفاتحة، ثم نظرت إلى الأعلى، وأبعدت وجهها عنهما.
في ذاك النهار أشرقت عيناها، بدتا قنديلين يشعان بهجة وألفة، يلتقي نورهما بالبريق الساطع من القدور تومضان " كانتا جميلتين في المساء الأرجواني، أبحرتا في زرقته وغاصتا في أعماقه، سمعت في داخلها كل الكلام غير المباح فانتعشت فرحة .
وقفا خارج الدار، نسمة الهواء تشتبك مع شعرها، السماء قناديل مضاءة، القمر ثمرة شاحبة طارت من الشجرة والتصقت في طرف القبة، سارا ببطء حول الدار، خطواتهما مضطربة يفكران بالأيام القادمة وما ستفعله الحرب، أدخل يدها في يده، نظرت إلى وجهه، حارت في نظراته، ابتسمت بخجل وقالت: لنعد .
كانا على مقربة من الدار، شعر أن بعض العيون تحوم حولهما، قال: بل لنبتعد قليلاً فلدي ما أقوله .
شدها من يدها، مانعت قليلاً وقالت :
لنؤجل الكلام للغد ولنعد .
لا تهربي أيتها الجبانة، اسمعيني ولا تدعي الكلام يضيع .
انتبه إليها مترددة، وقع خطاها، شد على يدها، مازالت باردة كقطعة ثلج، فركها فبدأ الدفء يتسلل إليها .
تأكدت من أنه لن يطاوعها ولن يعود بسرعة إلى البيت، فقد يكون لديه ما يقوله كما صرح!