أشار إلى تسعة من كبار المخبرين بينهم ضابط كبير، أبقى القائمة معه، ابتعد إلى الوراء واتخذ مكاناً يسمح له بمراقبة ما يحدث. وضع يده على فمه خوفاً من سماع ضحكاته. حدث شيء مخيف وفظيع إذ تبادل أمن مدينة القدس مع رجال البادية إطلاق النار. استطاعت القوات المحمولة أن تعتقل ما يزيد عن عشرين من أبرز رجال الأمن في حين أصيب أربعة من الهجانة بجراح خطيرة، نقلوا على أثرها إلى المستشفى.
وقع عمر وصل استلام أربعين بندقية نصف آلية يتسع مخزن الواحدة لخمس طلقات، ذكره هذا الموقف بيوم استلمت مصر الذخيرة الفاسدة، حين كان الفلسطينيون في عام ثمانية وأربعين بحاجة إلى طلقة، استخدموا بواريد الصيد والعصي والمقاليع والبنادق التي تسخن وتتعطل بعد كل طلقة، ينسحب المقاتل إلى الظل يفك الأقسام ويركبها .
وضع البنادق في سيارة جيب عسكرية وقال للسائق إلى منطقة " الشيخ جراح " شاهد الجيران السلاح، فهرعوا وخلال دقائق اجتمع أناس كثيرون يستطلعون الأمر، شاهدوا الأسلحة فدبكوا، زغردت النسوة وسمع صوت الطبلة و " المجوز " في الطرف الآخر من المدينة.
يا بو عدنان وياشعري على ظهري ... يا دارنا الواسعة يابرجنا المبني
وإن ردت يا عزنا تنزل عالوغى ... ملي قلوب العدا بارود مع القهري
وضعت النسوة أبهامهن في مجرى السمع، وانطلق اللسان مرتعشاً أشبه بصوت رشاش سريع الطلقات، عبلة تزقزق فرحة مشغولة تحدث أم عدنان وبقية النسوة وتعطي أوامرها. علمت أن الشحم الملتصق بالسلاح من الصعب إزالته دون تسخين ماء. وكما تولم الولائم في الأفراح أوقدت النار تحت القدور، ضحكات النساء وبياض أسنانهن يلمع على وهج الألسنة المتصاعدة، ارتفعت النيران، وصار كل شيء واضحاً، ثياب النسوة المطرزة بعناية فائقة، جدائلهن المرخاة وذاك الإشعاع المنطلق من عيونهن، شاهدت نساء الشيخ جراح النار فحضرن مسرعات، وبدأن الغناء والزغاريد، غردن فرحات ورقصن بمرح كما يفعلن أمام العروس .