كانا يلتقيان عند الشجرة في أوقات معينة ، ومع الأيام شعرا أنها صارت جزءاً منهما، لاحظا جو الألفة والبهجة، الأطيار تستقلهما مزقزقة ، الأرض تطرح عشبها بركة، أحبا ذاك المكان وعشقاه أكثر حين اكتشفا أن قطرات العرق التي تهرب منهما خلسه تروي خضرة الأرض. في المكان ذاته اختطلت نقطتان، سمعا همهمة، تكورت الأرض وكأن خطراً قد دهمها، بعد قليل شقت الأرض نبتة، بدأت تطول وتكبر، راقباها، في آخر مرة وقفا قبالتها، فاقتربت عبلة منه فتسلل عطرها إلى روحه، قرب شفتيه واختلس قبلة منهما، شدها فتمايلت تركها فعادت الشجرة إلى حالتها:
- الشجرة تبارك حبنا !.... ماذا نسميها ؟
ابتسمت وحركت رأسها بالايجاب
- شجرة الحب!
- ألا ترين أنها سنديانة، أوراقها لا معة مسننة وثمرتها قاسية، وتحتاج إلى نار هادئة ليصير مذاقها مقبولاً، إنها شجرة الحياة، خربشاتنا صمدت أمام الرياح والأمطار، لم تكن إلا لرعشتينا، لكلماتك، وضحكتك، أيدينا قلادة وأناملك ممهورة فوق ساقها، آلا ترين أفنانها وارفة وممتدة كاتساع حبنا .
صمتت للحظة وتساءلت :
- كيف للسنديانة هذه الرقة والليونة تتمايل كأنها تقوم بحركات بهلوانية، لم أر في حياتي سنديانه تتخلى عن صلابتها!
مدت يدها واحتضنتها، قبلاها فشعر كل منهما بلذة لم يشعرا بها حتى في عناقهما. وضعت يدها بيده وتعاهدا، مساء غادرت مهرولة فرحة، تغني وهي في طريقها إلى بيتها، لوحت بيدها وقالت مع النسيمات عبارات فهم منها:
" أيها الحبيب اتبعني.. إن لم أر النور في عينيك، فأي شمس تهبني إياه، وجهك صباحي، إن لم يدلني إلى الطريق فكل الطرق مسدودة.. أيتها السنديانة كوني قوية كحبنا، واشهدي كم أحببته "
تحسس أذنيه فتوقف الإنشاد، اختلط الأمر عليه، هل هذه كلماتها أم نشيد قلبه، أم نشيد قيل منذ آلاف السنين عند هذه الشجرة أو في المكان ذاته ؟
سمع تأوهات نظر إلى الشجرة أصابته الدهشة. بطن الشجرة ينتفخ.. مسح عينيه غير مرة، شيء غير عادي يحدث، نادى بصوته على عبلة ودعاها للعودة، لكنها ابتعدت لدرجة أن صوته لن يصل إلى ربع المسافة.
مازال يسمع لحناً قادماً من جهتها يحكي قصة عشق، غنى بعض أغاني دلعونة وظريف الطول ثم دمدم بكلمات عشق:
" اجتمعت الريح والغيوم والبروق في جسدها
فغنى أغنيته ومضى
لأول مرة يسافر جسدها مختضناً أغنيتها
تاركاً بقية اللحن في عينيها "