ابتسمت مدت يدها ووضعتها في يده. كان مهموماً لم ينم الليل، ظهرت عليه آثاء التعب والسهر، أحداث الأيام الماضية خطيرة جداً، لقد سحبت الأمم المتحدة قواتها عن الحدود المصرية، وباتت الحرب مؤكدة سألته عبلة وهي تحدق علها تكتشف سر الغمام الذي ظهر على محياه:
- أحس أن شيئاً يشغلك
- الحرب واقعة .
- أنعود إلى فلسطين؟
- لا يا عزيزي الظروف الدولية والمحلية لا تساعدنا، منطقتنا مازالت منطقة نفوذ قرارات دولية، ذلك منذ محمد علي باشا.. تطلبين توضيح ذلك، هذا حقك باختصار الدول التي انتصرت في الحرب الكونية لا تسمح لبلادنا أن يكون لها فعل، لوعدتِ بذهنك إلى انتصار الجيوش المصرية بقيادة ابراهيم باشا ووصوله الأناضول، لادركت لِمَ تدخلت أوربا وانسحبت الجيوش الجرارة التي أولها في كوتاهية وآخرها في مصر إلى الحدود الدولية؟
ودعها وقال نلتقي عند الشجرة، لم يكن يعلم أن الغد قد يفرقه ويأتي بجديد، وأن الصباح الذي زحف مرتدياً وجهاً غربياً مغبراً، لن يكون كبقية الأيام، مازالت الظلمة والعتمة على الرغم من صفاء الجو، الصباح زاحف على قدم واحدة غير قادرة على تثبيت نوره، الأشعة الباهتة تتسلق التلال ببطء تتعثر في مشيتها وتتدحرج فتقع على رأسها فاقدة وعيها .
قرر أن يفتش عنها رغم ما حدث، سيقول لها كلمة خبأها بين جوانحه منذ فترة طويلة، سار وركض لم ينتبه بأن قدميه تجرحتا وبلي حذاؤه، الأشواك دمت قدميه، تنز أزهاراً تاركة خلفه سكة، عاد يبحث عن مداسٍ نمرته أربع وأربعون، جاب المناطق التي أرتادها مع عبلة السمراء ذات القوام الأهيف والتي ارتدت ثوباً يصل إلى قدميها، دائمة الابتسامة، مرحة تسأل عن الماضي والمستقبل، وتتلقى أجوبة، تهز رأسها ... اليوم تأكد أن ما فعله وقاله غير صحيح، وأن كلمات عبد الناصر مجردة من الفعل، ليس فقط غير قادر على التحرير، بل غير قادر على حماية حدوده والدفاع عن أرضه، هذا الصوت الذي ملأ الشرق والغرب ضجيجاً، يسكت اليوم إلى الأبد.
واصل بحثه آملاً العثور على حبيبته، لم ينس كلماتها الدافئة، وهي لم تنس ما قاله في غفلة. مازالت تذكرها كلمة كلمة ... لاذت واختبأت وربما انتحرت، لكن ما هون عليه أن أمه أكدت رؤيتها في السوق.