تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- كل شيء يذكرني بك. البحر الذي يغار من عينيك اللتين تغازلني بهما، لهما من الدفء والحنان مالم أره في غيرهما، الثمار التي لها طعم شفتيك الرطبتين، وتلك الوهاد التي تذكرني بقامتك، له جسم يتبادر إلى الذهن لأول وهله بأنه من أولئك الجبابرة، الذين قاتلوا اليهود، لم يكن جده سوى واحد منهم، طويل عريض المنكبين، رياضي مرح، إنه من العماليق، يكره التكبر متواضع لدرجة أنك تظنه خادماً، لكن عندما يتحدث تتأكد أنه سيد الجميع، قال له أبو الشوق ذات مرة:

- معيب أن نجعلك تخدم مثلنا، دع ذلك وأخرج للفورة.

- عيب أن لا أكون مثلكم، نعيش حياتنا بين هذه الجدران، بأي حق استثنى، راحتي أحسها عندما أؤدي ما عليّ وأخدمكم جميعاً، إن السجن إذا افتقد التعاون والمساواة يغيب نهاره، مصيرنا واحد، فلم لا نتوزع الأعمال ؟!

عادوا إلى مناقشة إجراءات الإضراب، الماضي يقف على رجل واحدة، تأتيه الذكرى فتجعله قلقاً، جهل الإنسان بما حدث يجعل الانتظار مملاً. تغزوه الذكريات وكأنها حصلت البارحة، ذكريات مؤلمه، تورمت قدماه، مشى داخل الغرفة ليحافظ على بقايا قوته ورشاقته اللتين افتقدهما، إنه يجر نفسه جراً، زحف على مؤخرته. حبا على يديه. ازدادت رشاقته عندما توالت الركلات، التصق بالأرض، جروه ووضعوه في الزنزانة. صحا بعد ساعات الآلام لم تفارقه، تورمت أجزاء من جسده، بدا محطماً، بنطاله تمزق .لم يعد هناك ما يستره. بعض الجروح تنز، الخدر. سمع اسم صرفند فعرف أنه التحقيق الذي مازال مستمراً منذ عشرة أيام.

ذاكرته المشتتة غير قادرة على العمل. الصورة تذهب بعيداً، يستحضر التفاصيل الصغيرة، لم يدعوا شتيمة إلا أسمعوه إياها،.. أمك .....، لو كان فيها شرف ما انجبت بغلاً، بالتأكيد هي عاهرة، وإلا لما ارتضت واحداً مثلك ابناً لها.

نظر إليهم بعينين ذابلتين، فتحهما على وسعهما، ليشعرهما بنظرة التحدي الثاقبة .

كالوا له الركلات وبدوا مستعدين لقتله، واصل تحديهم كجبل، حاولوا دفع حجارته وتسويته بالأرض واستلاب كبريائه. تهامسوا، أدرك أنهم باتوا على قناعة بأن السد الواقف في وجههم مازال قوياً، مازال محتفظاً بكبريائه. ابتسم لأن قطيع الجلادين والمحققين قد وصلوا إلى حافة الياس.

حاول النهوض، تكوم على الأرض، السجان يراقبه دفعه إلى المنفردة وتركه. تحسس ظهره الذي يؤلمه، رفع ليروا آثار التعذيب، مدّ حسان يده وقال:

أترون خط بارليف !

روايات · الصفحة ١١٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٩٣