" والله لن أحيد عن كلمة اتفقتم عليها ولو على قطع رأسي " وبهذه الطريقة تمت مواجهة مواقف متناقضة، موقف يدعو إلى التريث بانتظار أوامر القيادة في الخارج. ونقيضه الذي يطالب البدء بالإضراب وفرض الأمر الواقع .
قال علي الجعفري :
لنكن بقدر المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، نحن سنقرر ولن نطلب المشورة من أحد. الذين في الخارج قنوات اتصالنا بهم تكاد تكون مقطوعة.
لن ننتظر الأوامر، دعونا من قضية الداخل في خدمة الخارج، وهي قضية مغلوطة وواقفة على رأسها .
كان هذا رأي إسحاق مراغة، أما أبو الشوق فقد علق على ذلك:
من المفيد إعطاء القيادة علماً والاستئناس برأيها .
تدخل عمر وقد ظهر الانفعال على تقاطيعه، قال:
ناقشوا أوضاعكم ولا تزجوا القيادات في أمرلا تفهمه، وليس مهماً لها، أنتم أصحاب المصلحة الحقيقية بالإضراب وغيره، ونحن جميعاً قادته. إن ما قاله أخي اسحاق في قضية خدمة الخارج صحيحة وثقوا بأن ما حك جلدك غير ظفرك، هيا قولوا اتفقنا وعلى بركة الله، مدوا أيديكم .
قبل السجناء بعضهم بعضاً ووضعوا أيديهم في يد عمر، فتعالت الفرحة، خلد مع ذاته، تذكر يوم وضع سجناء عسقلان أيديهم في يده، حلق في عالم من الذكرى، أتته تلك الأيام طازجة. الإضراب فرض لسوء المعاملة .
مسد الشيخ عباس بيديه على وجهه بعد أن أنهى قراءة الفاتحة وردد على بركة الله. ثلاثة قرؤوا الفاتحة وفعلوا ما فعله الشيخ .
الذكرى تدق زنزانة رأسه، نسيج نصفه هي والآخر ميت، تقبع في دائرة محكمة الإغلاق تسبل عينيها الناعستين، فلا تعرف متى تبرقان، تتوقد جمرة الأيام الخالية لحظة وتتبخر كالدخان الأبيض الذي يتلاشى بسرعة على الرغم من كمية تصاعده. السجن موسم كالجني والحصاد، له طقسه الخاص بعيداً عن مساحات الزمن الرحبة. تدق جدران الشرايين في حركة عكسية، تدفع إلى العيش معها ساعات طويلة من ليل نفحة الحزيراني، حاول أن يبعد شبح السجن، أن يعيش للحظات مع ماضيه البعيد.
رأى خضرة الحياة في كل شيء، فذاك بردى يغرد متجاوباً مع الطيور وزقزقتها المرحة، وخفقان الأفنان وكأنها تبحث عن عشيقها، وحركة الوريقات الراقصة المتلاعبة مع النسمة الوادعة. قرر أن يمضي يومه في السيران على الطريقة الدمشقية مع ابنة أبي رمانة، كان على درجة عالية من الفرح والحبور. أخذها من يدها قرب شفتيه من أذنها وقال:
هيا في بلاد الله الواسعة نمضي هذا اليوم.
والجامعة ؟
أنا سأعطيك الدرس .
نظرت إلى عينيه وقالت :