تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في ذلك المساء الوردي الضاحك، شطفت الغرف وغسل السجناء ملابسهم ونشروها على خيوط معدة داخل الغرف . كمية المياه المتدفقة عبر الأنابيب والحنفيات غزيرة، وكأن الأردن فاض على نفحة. استحموا فاختفت الروائح الواخزة، كما اختفى الذباب والحشرات، بينما انتشرت في الغرف روائح طيبة هي مزيج من رائحة النظافة وأنفاسهم .

ظلت المياه بهذا التدفق أربعة أيام وفي اليوم الخامس استنفرت الإدارة، وأمرت بإعادة برمجة توزيعها. بررت ذلك بهبوط مستواها في البئر الأرتوازي وخوفها من نصوبه. استمر التقنين كاشفاً معركة بين السجناء والإدارة، كل فريق يترصد الآخر ويتحين الفرص. أصرت الإدراة على رأيها بضرورة التقنين وقطع المياه ليلاً. أبو الشوق عرف تفرعات تمديدات المياه، يتسلل للوصول إليها وإدارة المعسكر قبل أن يراه أحد من طاقم السجن. لكن الإدارة المصرة على التقنين عينت حارساً على الشبكة طوال فترة التنفس .

مشكلة المياه ظلت تقلقهم خاصة في أشهر الصيف، تخف قليلاً في فصلي الخريف والربيع وتختفي تماماً في الشتاء، حيث يقل الاستحمام وطلب المياه. صيت نفحة السيء وصل إلى سجون فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، كعتليت جنوبي حيفا وسجن عكا. هددوا السجناء بالنفي إلى هناك، فصار اسمه سيفاً مسلطاً على رقابهم دون استثناء. جاءت بعد أيام من افتتاحه بعثة صحفية، ومع أن مدير السجن أعطى المحررين فكرة كافية، إلا أن محرر " هارتس " أصر أن يقابل السجناء دون وسيط، فكانت هذه فرصتهم لشرح وضعهم، وحالتهم في السجون. لم يدع عمر الفرصة تفوت دون تبين ظروفهم. تحدث عن نوعية الطعام السيئة والحرمان من " الكانتينا " و" الفورة " لأتفه الأسباب، الضرب أحياناً والحجز بالمنفردة دون مبرر، وربط ذلك بالتمييز المتبع ليس فقط داخل السجون بل داخل المجتمع الإسرائيلي، وهذا ما دفعه إلى اعتبار كيانهم أكثر عنصرية من " جنوب أفريقيا". هناك يكفي إذا تغير نظام الحكم، أما في فلسطين فإن المهاجرين طردوا السكان الأصليين، فأي النظامين أكثر عنصرية وهمجية ؟!

همس عمرام في أذن المراسل، لكن الأخير سره أن يسمع نقاشاً ساخناً، ليكوّن مادة غنية حول موضوعه. قال مدير السجن :

- هؤلاء عنصريون وهمجيون دخلوا بلادنا لقتل أطفالنا، فهذا الذي تحدث إليكم إرهابي دخل على رأس مجموعة مسلحة، أصيب في المعركة ونحن عالجناه في مستشفياتنا، أسأله لماذا تجاوز الحدود وأطلق النار؟!

روايات · الصفحة ١١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٨٨