تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نساء حارة " الشيخ جراح " استقبلنها وهي عائدة. لم تتكلم مع إحداهن، خفن وتجمعن في بيتها، سألن، هل حدث مكروه لعمر ؟

- بّعُد الشر، عمر بخير ويسلم على الجميع. سنعد لزيارة جديدة، هل أنتن جاهزات لمساعدتي ؟

- وزيارة اليوم!

- إنها للسجناء، عمر نقلوه إلى نفحة .

ابتسمن علامة الرضا، عدن مساء ليباشرن عمل الحلويات والفطائر والكبة. لكنهن لم يبدأن. أم عدنان طريحة الفراش. قال الطبيب الذي أُحضّر لمعالجتها، بأنها تحتاج لاستراحة طويلة.

-الفصل الثالث -

عجاج نفحة يلتصق بالجسد، ويحوّل الملابس التي ارتوت عرقاً حتى الثمالة إلى شلال أثري. لم ير الماء إلا من فم جاروشة طحنت قمح بلدة ومازالت في بداية علمها .

ثلاثة أسابيع والرياح تهب وفي داخل كل سجين معدة ضمرت حتى كادت تتوقف عن العمل. الكلاب في الخارج لم تتعود هذا الجو القاتل. فنبحت وعوت حتى وصل صوتها إلى متسفي جنوباً وإلى المطار غرباً.

ابتعد البدو عن هذا المكان منذ عام حين جاء ضابط كبير ومعه عشرة جنود مدججين بالسلاح، أخبرهم بأن عليهم عدم الاقتراب من نفحة، فصاروا ينظرون إلى التل من بعيد يذكرون الأيام الجميلة حوله شتاء وربيعاً. ومع ذلك لم ينقطع مرورهم واقترابهم منه. خاصة بعد أن سمعوا الكثير عن السجن في تلك التلة، صاروا يمرون مزودين بروح التحدي. كيف يهجرون طرقهم القديمة التي ورثوها عن أجدادهم والتي يصعب تغييرها. قال أحد البدو ملوحاً بعصاه:

- ليفعل اليهود ماشاؤوا ولترسل كلابهم نباحها المتوحش الذي يفتت صمت الصحراء، فهذا لن يثني عزمنا على ارتيادها والمرور بها وإن لزم الأمر الإقامة فيها.

ثلاثة أسابيع خنقت الأمل والحياة، تحول السجناء إلى أشباه رجال، مرضى يسعلون ويبصقون اللعاب والغبار والدم. تحولت الجبوب الصغيرة في أجسادهم إلى قروح يزداد عددها وانتشارها مع كشط الأظافر، مولدة لديهم عادة الحك التي تجعل ثيابهم تبلى .

التزم السجناء الهدوء، لا يريدون الإقدام على عمل دون تخطيط مسبق. عانوا من شح المياه وهي وفيرة في صنابير الإدارة وحنة عدن المخصصة لرفاه الضباط ... ذات عصر تدفقت المياه دون سابق إنذار، قيل إن عاملاً فتحها دون قصد، ومنهم من أكد أن أبا الشوق الذي عمل بالتمديدات الصحية قبل سجنه هو الذي فعل ذلك. كل ذلك وإدارة السجن لا تعلم شيئاً عن ذلك .

روايات · الصفحة ١١٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٨٧