قررت أم عدنان أن لا تسمع نصيحة زوجها، إنه لا يعرف قلبها كيف ينط ويقفز، أهون عليها أن تشتغل وتتعب على أمل وصول الأكل من أن تقعد بلا عمل وتقول هذا يصل وذاك لا يصل يكفيها شعور النشوة وهي ترق وتقطع العجين وتحشوه. تتصوره كيف يمد يده ليأكل وليوزع على رفاقه وهو يقول لهم " هذا من يد أمي "
سيقبل الحلويات التي ستأخذها وهناك ستخبره بأنها سهرت الليل وهي تعد لزيارته، وسيكون جوابه: " لا تتعبي نفسك يمّا"
يكفيها كلمات الحنان وهو يستقبلها ويودعها، ويكفيها رؤية عينيه الزرقاوين مشعتين ضوءاً وحياة .
أفاقت بينما أبو عدنان يتابع نومه، طوال يومين وهي مشغولة، جاراتها يأتين ويحضرن من المأكولات والحلويات ما تعجز سيارة عن حمله. غداً عليها الذهاب إلى بئر السبع، وتسجيل اسمها في الصليب الأحمر، ومن هناك ستسير ضمن قافلة حتى السحن. تظل خارجه تنتظر دورها حتى يناديها. اقتربت من العسكري سألته، صرخ في وجهها وطالبها بالابتعاد، وصاح آخر بكلمات غير مهذبة وبيده أبعدها. تحسست جيوبها وعدت المبلغ الذي ستدفعه " للكانتينا " غير مرة .
تأخر دورها وازدادت دقات قلبها. شعرت بوجع في معدتها ودوار شديد، وضعت يدها على الناحية اليسرى ثم جلست على الأرض. اقتربت لتسأل عن موعد زيارتها. أجابها بأن ابنها انتقل إلى سجن آخر، وعليها أن تتصل بمندوب الصليب الأحمر. ركضت تجاه المندوب وأخبرته، فدخل إلى السجن وقابل مسؤول الإدراة وخرج ليبلغها أنه انتقل إلى سجن نفحة. نظرت إلى الزيارة التي أحضرتها، تحاشت الوقوع إثر دوخة ألمت بها، قعدت على الأرض ونادت النسوة، وزعت الهدية عليهن وهي تصرخ وتبكي :
- خذوا كل شيء، إنها للسجناء، عمر قال الهدايا التي تصلنا ملك لكل سجين.
ابتعدت عن البوابة. أسندت رأسها إلى الحائط، وبعد وقت غير قصير عادت وعيناها حمراوان كالجمر، سوت ثيابها وشعرها ورسمت على شفتيها ابتسامة. ستراجع الصليب الأحمر الدولي لتعرف موعد زيارة ابنها، ستفعل كل ذلك وستعد لزيارة جديدة منذ الليلة .
عادت وهي تحمل كومة عذاب وألم، من يستطيع تقدير مدى حزنها. الأمهات هن الوحيدات القادرات على تخمين مدى ألمها، على الرغم من ابتسامتها الجافة وحديثها، ومع أن كل الناس يتألمون إذا حل بهم موقف مشابه، إلا أن حزن أم عدنان الداخلي من الصعب قياسه أو معرفة ما فعلته عودتها دون زيارة .