لم تنشف أم عدنان الدمعة، تركتها تجري كوديان أواخر الشتاء. لا تعرف لِمَ قلبها منقبض هذه المرة أكثر من أي مرة أخرى؟ مع معرفتها التامة أن ولدها رجل لا يخشى عليه، لكن قلب الأم يهجس بأشياء لها وجود وأشياء يبتدعها تفكيرها خوفاً على ابنها. وعند ذلك لا تستطيع أن تحبس دمعتها أو تداري حزنها. حلم البارحة خير والصلاة على النبي مجرد تهيؤات، هل يعقل أن يكون في بئر عميقة يناديها " انقذيني " تصرخ. أبو عدنان أين أنت يا زوجي، هرع إليها، أفاقت من النوم وهي ترفع يديها في الهواء ولسانها قطعة جافة. تعوذت من الشيطان وأخبرت زوجها بالحلم، أجابها :
اغسلي وجهك وصلي على النبي هل نسيت أنك قرأت سورة يوسف قبل نومك، واشفقت عليه، قلت إنك حزينة وتمنيت وجود حبل لإنقاذه .
قامت وغسلت وجهها وصلت ركعتين دعت " اللهم أعطنا خير هذا الحلم إن كان خيراً، وأبعد شره عنا إن كان شراً، وامح المقدر باللطف " .
لم تنم بل ظلت مستيقظة، استعصى عليها النوم في تلك الليلة على الرغم من محاولاتها سهرت حتى الصباح تسبح بحمد ربها وهي تمرر حبات السبحة بين أصابعها، أبو عدنان كذلك لم ينم، هون عليها ولحظة فاضت دموعها نشفها.
كم مرة نشف دموعها وضمها إلى صدره، خاصة في الأيام الأولى لاعتقاله. إذ تعود مساء مرهقة بعد بحث طويل لتقول لزوجها بأنها لم تجده، فكلما ذهبت إلى سجن وسجلت اسمه تنتظر حتى العصر، ثم يقولون بأنه ليس عندهم، فإذا كان هذا صحيحاً فلماذا لا يخبرونها ساعة وصولها ؟!
يا زوجتي الذي بيده السلطة يفعل ما يشاء .
سكتت أم عدنان قليلاً ثم عادت إلى البكاء ثانية. حاولت أن تبدو طبيعية وأن لا يرى غير زوجها دموعها. إنه مجرد حلم، وكم من الأحلام مرت عليها! وكم من الكوابيس أصابتها. لكن أبا عدنان الذي يراقبها ودموعها تنهمر، اقترب منها وحاول التخفيف من أوهامها .
منذ يومين وأنت مهووسة، اتكلي على الله، لو عرف ابنك ذلك ماذا سيقول، عمر شجاع تحدى سجونهم، لو أراد الخروج والتنازل عن مطالب المضربين لفعل، أنسيت يوم حاولوا مساومته على دماء أبطال عملية ترشيحا "معالوت" ولدي لا يخون جماعته زغردت لصموده، الآن سأعمل له حلويات وكبة وفطاير وغداً صباحاً سأذهب لزيارته.
لا تتعبي نفسك يا أم عدنان إن ما تفعلينه لن يصله، ألم تشاهديهم كيف يخربون الأكل والحلويات بحثاً عن رسالة أوقصاصة ورق.