ضمته قبلته وصارت تشمه، حاولت أن تشرك حواسها في لحظة كهذه.
آمنة خليل أم حسان محبوبة من الجيران، لطيفة ودود تمازحهم، دائماً ضحكتها شبر كما يقول العامة. نادت على هدى وطلبت إليها أن تقترب وتغلق الباب، وأشارت إلى المكان الذي ستجلس عليه. قبلتها وداعبت شعرها وأخذت تسمعها بعض الكلمات الجميلة. وبعد مداعبة أخبرتها أن حسان يسأل عنها .
خجلت تورد وجهها ثم اصفر وصار كالزعفران، أسبلت جفنيها ونظرت إلى الأرض غير قادرة على المواجهة، الكلمات خانتها، فلم تستطع النطق، اقتربت من أم حسان أكثر وقبلتها. بعد فترة هدوء شعرت أن قلبها يقفز ككرة اليد ويلزمها مرمى لتدفعها إليه. تخيلته يلاحقها، تخبئ وجهها خجولة، ترن في أذنها، أنت أجمل فتاة.. أحبك، لم تنم تلك الليلة.. في صباح اليوم الثاني قرعت الباب فأخذتها أم حسان بالأحضان،
هيا ادخلي فقهوة الصباح جاهزة .
أحضرت الركوة وصبت في فنجانها، ظهر عليها الخجل، شربته على عجل ثم ناولت أم حسان ورقة وانصرفت :
" حسان تحياتي، أنا سعيدة لاهتمامك، سأسأل والدتك عن أخبارك، اهتم بنفسك ولا تشغل تفكيرك، فنحن بخير طالما أنتَ صامد ..."
فتح حديثه مع حسان جرح في القلب، وقفت أمامه الايام الخوالي بقامتها المديدة، تذكر حبيبته دفعة واحدة، كانت عبلة تراقب شيئاً ما، شدت السماء اهتمامها ونظرها، حدقت بعمقها ورحابتها ونظرت إلى عينيه. تابعت مراقبتها لطائر صغير يتنقل من غصن إلى آخر، يتأمل الفنن الأول جيداً قبل أن يحط على الثاني. أوحت إليها هذه الصور بفكرة عن جمال الطبيعة وروعتها، التي تشدّها كما تشدّ كل الفتيات، وكيف تصير الأرض بستاناً بوجودهما، تساءلت، لِمَ لا يكون هو ذاك العصفور أو الفراشة وهي وردة حمراء أو ثمرة شهية، قادر على قطف الثمار والأزهار؟ غطت مسحة من الحزن ملامحها وقبل أن يقرأ أفكارها، شدته إلى داخل البستان، كان مبتسماً ومحدثاً بارعاً، كل كلمة وإشارة تدل على التوافق العاطفي التام بينهما. ما معنى قوله إن الحياة دون ابتسامة مقيتة، نسيت ذاتها ضمته إلى صدرها وقالت له:
ابتعد عني، أنفاسك تحرقني، وشفتاك تدمران كبريائي .