رأسه طاحونة دورانها بطيء لكنه لا يهدأ، المفاصل نابض تخلى عن مقاومته. يحاول جسده السيطرة على قواه. تقيأ ما في معدته ثم تمدد على فراشه، في اليوم الثاني ناداه عمر وقال له:
إنها هي ولا أحد سواها .
كانت هدى شعبان في الإعدادية طفلة، أما عندما نجحت إلى الصف العاشر وغادرتها براءة الأطفال، انتفض جسدها وثارت من الداخل. بدت شابة أنيقة، فكر كيف تتحول الأنثى إلى ثمرة، رفعت رأسها مزهوة وعيناها تسبران الطريق وتدققان في القادمين. غيرت بعض طباعها ومشيتها بعد اهتمامه، اعتنت بهندامها ووضعت قليلاً من المساحيق والأصبغة، أشار عليه:
- أرسل لها تحية .
- تصدني كما فعلت ولن تسمع تحياتي .
- يا عزيزي المرأة لا تفكر بطريقتك. إنها عالم سحري يبهرك كلما اقتربت منه، ابتعد تره على حقيقته، صدقني ستكون مسرورة إذا بعثت بتحياتك، ستبني مجدها الوطني بالتقرب إليك. إياك أن تفعل مثلي، تتجاهل نداء قلب المحب بحجة العمل الوطني، فالوطنية تبدأ وتنتهي بأكذوبة أمام الحشد .
شجعته هذه الكلمات، عاد إلى مرحه، انتظر قدوم الزيارة كمن ينتظر حبيبته، بدأ يعد الأيام والساعات، عندما جاء اليوم الموعود لبس أفضل ما عنده من ثياب استعداداً، وحلق ذقنه فبدت عليه الأناقة. ظل طوال فترة انتظاره متوتراً. نادره قفز كالأرنب باتجاه الباب، كما توقع أمه ترفع ناظريها وتحدق إلى الساحة، وقد بدا عليها التعب والارهاق. تغيرت تعبيرات وجهها فقد غزا المرح محياها مجرد رؤيته، تقدم وقبّل يديها وسألها عن الجيران، ثم حار وطفح الحزن على محياها، توقف عن الكلام، نظر إلى عينيها وابتسم، خمنت أمه أن لديه ما يقوله فتوقفت عن الأسئلة ،؟ انصتت وعندما لم يبح قالت :
- أراك غريباً، شيء ما يشغلك حدثني يافلذة كبدي وادخل السرور إلى قلبي.
أجاب بخجل وغنج مصطنعين :
- ما أحبار هدى.. هدى جارتنا ابنة إبراهيم شعبان ألا تعرفينها .
ضحكت أمه وبان على وجهها الانشراح وبلهجة العارف قالت :
- ماذا تريد منها، ولماذا تسألتني عنها ؟
- هدى يا أمي ..
لم يستطع أن يكمل، التفت جانباً وحنى رأسه إلى الأمام. كانت عيناه تفضحانه، تشعان ببريق، وشفتاه تتراقصان وتفتران عن ابتسامة خجلى، عند هذا الحد فهمت أمه ما لم يستطع قوله فعلقت :
- آه مثل يا ولدي، قل بأنك تحبها وأنا آتي بها، لم لم تخبرني من الزيارة الماضية؟ هدى وغيرها تتمنى هذا الموقف، أن يسأل عنها من وهب حياته للوطن. اعتمد عليّ وداعاً .