تناول طعامه الصباحي نصف بيضة وقطعة خبز بقدر الكف وكأس شاي، إنه إفطار مقبول إذا قورن مع بقية الأيام، مع أن جسمه بحاجة إلى خمسة أضعاف ذلك. الشيء الذي يفكر به ذاك الشاب الفكاهي الذي تغيّر بسرعة، أشياء كثيرة تتبدل في الكون دون جواب شاف، إلا أن تبدّل حسان شغل فكره. منذ أيام وهو يعيش حالة انطوائية، جدي هجر الهزل، يعيش عالمه الخاص بعيداً عن رفاقه، لا شيء يثيره، دائم الصمت والتأمل، ظهر عليه الهم، ازدادت شكوته من وجع رأسه وقلة نومه، ينسج من أحزانه سمغونية يلحنها وحده، تضاعف هذا الشعور يوم الزيارة بالذات، إذ أحس بانقباض شديد، وكأن أمراً مخيفاً يطارده. كل من في الغرفة يتحدثون عنه، شعر بذلك، ماذا يقول لرفاقه؟ تردد، وازن موضوعه فقرر أنه لا يستحق التصريح. انكمش على ذاته أكثر فأخفى كل شيء جواه. إذا سئل أيكذب أم يعترف بأنه يفكر بفتاة، خجل من نفسه، فمثل هذا الكلام يبقى في القلب، ومع ذلك ظلت الفكرة تطارده حتى عند النوم، ولم يتخلص منها بقية الأيام لافي الفورة ولاداخل الغرفة وأثناء الطعام .
حسان فياض الذي ملأ الغرفة بهجة طوال الشهر الماضي يتحول إلى شاب صامت .ذهبت الظنون بهم كل مذهب، فمنهم من ربط ذلك بطول مدته في السجن وسوء المعاملة. لكن الفريقين لم يحزرا فهو وعباس كالعسل كلّ عرف طباع الآخر فأبعد الخلافات، وصارا صديقين اشتركا في القبض على العسكري ودخلا المنفردة. الشيخ عباس لم يجد تفسيراً، بدأ يتودد إليه ويدعو له بعد كل صلاة، وعندما لم يجد دعاؤه نفعاً طلب إلى عمر القاسم التدخل، قال له: " إذا كان حسان يحمل في قلبه شيئاً، سأذهب وأعتذر منه وأقبل رأسه، كلنا يد واحدة، أم أنا غلطان ؟"
- حاشاك من الغلط يا شيخنا، بارك الله في همتك، سأحدثه وأعرف قصته وأخبرك .
ناداه وهما في الفورة، تحدثا في البداية في أمور شتى، وعند انتهاء فترة التنفس دخلا الغرفة وتابعا حديثهما، جميع من في الغرفة ينتظرون النتيجة، تجادلوا حول موضوعه وحول قدرة عمر الوصول إلى حقيقة الأمر. تولدت لدى حسان ثقة لا حدود لها من خلال ما سمعه في الفورة والآن، فتح قلبه ونطق بأول جملة طلب فيها أن يكون هذا الأمر سراً داخل صدريهما ،لأنه يعاني من تفاهته وعدم علاقته بالسجن، هذا الذي جعله يعاني الوحدة، ويدفن أحزانه في فؤاده المنكسر. عندما قبض على طرف الموضوع، ربت على كتفه وقال له:
- اعتبرني أخاً أكبر .