عندما قرر الجميع النوم تناول عمر الشمعة، غداً يوم زيارة، كتب رسالتين إحداهما على ملابسه الداخلية مباشرة والأخرى صغيرة بحجم حبة الفول. قرر أن يضعها في فمه مكان ضرس مخلوع، سيجد اللحظة المناسبة لايصالها، طوال الشهر الماضي حرم من الزيارة ومن مصروفه اليومي والشراء " الكانتينا " والرسائل، ضبطوا واحدة من الرسائل التي ألقاها داخل الغرف المجاورة أثناء فترة التنفس. سلمت إلى الضابط المناوب، الذي طلبه وسأله حول الرموز الموجودة فيها وطلب تفسيراً منطقياً للجمل غير المفهومة، مازال يذكر كلمات الضابط: " أحمل بطانياتك وإلى المنفردة، ستجد على جدرانها لوحات تزينها الرموز، لا تنسى الإكثار من نجمة داود ".
بعد سنوات الاعتقال الطويلة، يدفعونه للمنفردة لأتفه الأسباب، الزنزانة شيء فظيع، باب مغلق وجدران تقترب من بعضها حتى تكاد تحطم جسده، لا يستطيع الوقوف، عليه أن يحني رأسه، وغير قادر على التمدد فعرضها أقل من متر وطولها متر، حتى إذا قعد أو قرفص يشعر بالبلل وكأن أرضها تنز ماء، ينسى نفسه ليلاً فتصطدم قدماه بالحائط ويضرب رأسه بالجدار، عاش فيها أياماً طويلة، لكنها الآن نسي كل آلامه، يعيش وكله أمل، يعلم رفاقه الذين يحيطون به ويقول لهم صراحة:
- من أجلكم أحتمل عذاب السجن!
في الزنزانة يُحرم من المطالعة ومن أي حق آخر، وينتظر تبلد الزمن الذي قرر أن يوقف مسيرة الأيام التي لم ترضخ، فها هي الأرض تدور، وهاهو بأحسن حال ينتظر الزيارة.
منذ الصباح ظهر بملابسه النظيفة وقامته الفارعة، وحلق ذقنه ولطف شاربيه، وقرر أن لا يحادث أحداً ولا يجيب عن أي سؤال أو يدخل في نقاش سياسي قبل رؤية أمه، التي تحدثه طوال الزيارة فلا تترك شاردة ولا واردة إلا وتخبره إياها. الذين في الغرفة يعرفونه، عندما يكون مشغولاً بشيء لا يتكلم أي كلمة خارج الموضوع الأساس. الزيادة والرياضة والمطالعة والتثقيف والحوار مع الآخرين مواضيع مقدسة لها أوقاتها، لا يسمع لأحد أن ينال منها.