أصدر أوامره مباشرة إلى الضابط المناوب وإلى شاويش الساحة والعسكري المناوب ليحضروا أي سجين يتطلع إلى " جنة عدن" أو يحاول إدخال السرور إلى قلب رفاقه، وكذلك المشاغبين، لتبدأ حفلة الإهانة والضرب والتعذيب، كل من في الخدمة مستنفرون حتى الحارس والشرطي عيونهم باتجاه باحة التنفس وتصرفات السجناء وقت الفورة، كان عمرام يراهن على إذلالهم وتحطيم معنوياتهم، لايخرجون إلا جثثاً هامدة أو عاهات بحاجة إلى خدمة وهو القائل:
- سيحتاج كل واحد إلى اثنين لخدمته .
كان الحل ما اقترحه القاسم على رفاقه الذين ناقشهم بالعمل المفيد داخل الغرف وفي فترة التنفس، وقتل الفراغ الذي يجعل الجسد والروح ذاويين، فيشعر الإنسان بأنه رقم زائد في هذه الدنيا فتهون عليه كرامته، الأيام الثقيلة لاشيء يعيدها إلى حيويتها ومرحها إلا بالمطالعة والعمل؟
أطفئت الإنارة في تلك الليلة بعد العاشرة، استمروا بسهرتهم، خمسة أحاطوا بالقاسم يسألونه ويناقشونه، وأربعة يلعبون الورق، أصواتهم تنتشر في الجو، أربع ساعات يقضونها بألعاب " الطرنيب، الكونكان، الباصرة ..."
يصيح صاحب الدور :
- فت الورق أنا طرنيبي ديناري .
بنظرة من عيني رفيقه يفهم قوة ورقه عندها إما أن يصمت وإما أن يزيد ثانية، عند إعلان النتيجة يشارك الجميع في الضحك والاستهزاء من المغلوبين الذي يتلقون شروط الغالبين بصدر رحب ويطبقونها، وهي في العادة أشياء بسيطة يقومون بها هدفها التسلية مثل، هيا حكوا مؤخرتكم بالحائط أو انبخوا كالكلاب، وانهقوا كالحمير، يفعلون ذلك وهم في مرح عارم، أما الثأر ورد الاعتبار ففي الليلة نفسها أو الليلة القادمة.
الورق جنية تفتل الرؤوس، تريحهم من كل شيء إلا من ذاك الداء، ينسون كل شيء مهماتهم وأعمالهم ومطالعاتهم، يقتل الوقت وهم خاملون .