تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان هواء النقب ثقيلاً في ذلك اليوم محملاً بالحرارة الشديدة الخانقة. العرق يتصبب كدموع كانون. كمية الهواء في الغرفة لا تكفي لتنفس عشرة. الطاقة القريبة من السقف تلعب دوراً هاماً في تجديده، ولولاها لا نحبس الهواء تماماً وماتوا، لهيب جهنم يندفع من هذه الغرف، درجة الحرارة نهاراً لا تطاق، الشمس تضرب الحيطان والسقف، تحول الغرف إلى فرن والسجناء إلى أدوات تهوية تحاول التخفيف من عبق الجو وحرارته، ملابسهم كلها عرق يعصرونها، ترتفع الروائح وتنتشر في الغرفة، روائح هي مزيج من رائحة البول والعرق واخزة لدرجة لا تطاق، أما الأكل فكميته لا تكفي إذا استثنينا بعض الأيام كيوم الخامس من حزيران وعيد الفصح وعيد العرش ويوم الغفران. الإنارة غير كافية خاصة في الليل، في كل مهجع مصباح كهربائي يضاء حتى العاشرة وبقية السهرة على الشمعة أو العتمة، النظافة معروفة أدواتها يحتفظ بها المدير، فيتكاثر الذباب وينتشر القمل ويكون عوناً للإسرائيليين. ليس هذا كل ما هو سيء. الأوامر العسكرية يجب أن تطبق بحذافيرها دون تردد أو تذمر، وهذا جعل السجناء يعيشون حالة قلق. يستدعي الضابط أي واحد منهم في أية لحظة دون تبرير، وأحياناً يطلب إليه الانتظار خمس دقائق ثم يعيده إلى غرفته. حتى التجمع لأكثر من ثلاثة ممنوع، وممنوع الاقتراب من الغرف، حتى الزيارة التي يحلم بها السجين ويعيش أيامه على أمل لقاء ذويه واقتناص واقتناص لحظات السعادة معهم، اختصرها، فبعد انقضاء ثلث ساعة يترك الزوار سجينهم ويعودون وفي عيونهم دموع لا ينشفها إلا الزمن. هذا بعض ما يلاقونه، الحنظل طعم حياتهم .

أعلى عمرام أوامره عبر جهاز الإرسال من مكتبه، ولم يدخله بل بدأ يراقب، في أثناء الفورة يظل ماداً بصره إلى الباحة، يراقبهم كيف يمشون ،وكيف يتحدثون معاً، وإذا صادف أن ألقى أحد السجناء نكتة أحضره إلى مكتبه نبهه لأنه تجاوز العرف بقوله :

- الضحك للنساء، هل أنت امرأة لأسمح لك ؟! إنه لا يليق بسجين قدم روحه فداءً لما يؤمن به من أهداف. إذ رأيتك مبتسماً ثانية سأقتلع أسنانك وأقص لسانك!

روايات · الصفحة ١١٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٧٧