- الآن أدركت يا صديقتي بأن الذي عليه أن يتحرر هو زوجي، ألزمني احترام تقاليد عائلته وأعرافها، ممنوعة من استقبال أصدقائه أو أقاربه. آه يا فرات؛ المرأة عليها أن تدفن أحاسيسها ولا تصرح بعواطفها، لا تصرح بحبها، يمسكها من اليد التي تؤلمها، قلب المرأة إذا دق تعجز آلات الحرب والدمار عن إيقافه، لكن لا عليك غداً يصير لي أولاد، أفرض ما أريد، استقبل ببيتي وأرمي منديلي الذي يغطي شعري، وأخرج إلى الحياة ثانية، لأقول لكل امرأة عليك بالاقتصاص من الرجال.
الآن بت تدركين أنك رضخت منذ اللحظة الأولى لأعراف العائلة. في جهاز العروس ومراسم الفرح، وفي الحمام أخضعتك لفحص القابلة، عند العتبة طالبتك أن تخطي بقدمك اليمنى، أعدت اليسرى إلى الخلف ومثل جندي لا يفرق اليمين من اليسار، فكرت ثم خطوت إلى داخل الحمام، في البراني اجتمعن حولك. جلسن على مصاطب الاستراحة وبدأن بحل شعرك والغناء، ثم خطون عبر الدهليز إلى القسم الأوسط، حيث تتدرج درجة الحرارة من البراني إلى الوسطاني الذي هو أشبه بردهة.
كنت تحدقين في الحمام الذي تفنن الدمشقيون في بنائه وتزيينه، رصعوا جدرانه بالقيشاني وأرضه بالحجارة والرخام. ما شدّ انتباهك بلّور النوافذ المعشق والزاهي الألوان، والتجويفات والرسوم والخطوط الرائعة التي تمثل بعض الآيات والسور القرآنية كالفاتحة وسورة ياسين. اجتمعن حولك، بدأت تخلعين ملابسك قطعة قطعة حتى تعريت فانهالت الزغاريد:
حصنتك بياسين
……يا زهرة البساتين
يا مصحف زغير
…يا عروس السلاطين
ها هن أولاء يقبلنك ويتحسسن جسدك ومكوراته. يقتربن أكثر في محاولة لشم رائحة فمك وإبطيك. يقرصنك حتى تورد بدنك وفي بعض المواضع يميل إلى الزرقة.
في الوسط نافورة وأرض مرصوفة بحجارة وردية وسوداء، تتوسطها تشكيلات رخامية محاطة بأميال سوداء. أما على الجدران فصور وسجاد ومرايا. بعد أن تناولن بعض المشروبات، انتقلن إلى الجواني حيث ينتشر الدفء والبخار. عند مصطبة الحرارة بدأن اللعب بالماء، فاختلط الصياح بالمزاح والغناء. كل واحدة تريد أن تفرّكك، تبسمل وتصلي على النبي للجمال الفتان. أما فرات فكانت إلى جانبك عارية تفرّكك وتقرصك وتقبلك وترد على المزاح الفاحش. عند الانتهاء من الحمام تعالت الزغاريد والأغاني:
يا صحن توت
…مجلل بياقوت
كبرو الصغار
…وفتحو بيوت