تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اهتزت شخصيتك وتراجعت أفكارك أو أكرهت على ذلك، غدوت بين يوم وليلة تتقيدين بتقاليد أسرة الحفا، تعيشين كما يريد زوجك وعائلته، دفنت نفسك في آلامك، في المطبخ، تمنيت أن تجدي في حياتك فترة مرح هاربة من زمن الحزن والحسرات، سافرت ذاكرتك إلى أيام المراهقة وبداية حياتك الجامعية، تنهدت وترحمت على تلك الأيام، صدرت عنك ابتسامة ساخرة، لكن انفراج الفم وظهور الأسنان أعطى انطباعاً ملائكياً، بيّن كم يبدو الإنسان لطيفاً ورائعاً عندما يخرج من حزنه!

عادت أحلامك قوية وعنيفة، وعادت ذكرياتك طازجة، مع أنك قررت دفع ماضيك خارج حياتك، لكن مثل هذا القرار لا تملكين القدرة على تنفيذه، حياتك ذكريات، الآلام ملازمة لك كظلك دون إرادتك، مهما حاولت التخلص من حملك والعودة إلى الحياة بلا ذاكرة، تجدين نفسك ناظرة إلى الخلف، شيء واحد يخلصك من تلك الحالة الجنون أو الموت وأنت تعيشينهما معاً. من غير اللائق أن تبدئي يومك بالحديث عن الأحزان، يكفيك ما ستبثه فرات عن همومها، تحدثك عن رفض أمها لأي خطيب، الشخص الذي توافق عليه ابن أختها، إذا بقيت أمها مصرة على تزويجها من ابن خالتها ستسافر، ستهرب إلى أخيها. تسلل بردى إلى وجنتيها حاراً، مسحت قطراته المتهاطلة، حاولت أن تبدو طبيعية، شكواها في هذا الصباح كافية، لتستدر دموعك وتذكرك بما أنت فيه، وزواجك من مصطفى الحفا، ها أنت ذي تبادلينها ذرات الندى بقطرات من المطر، مسحت وجهك وصدرك، تمالكت نفسك، فالمطر في غير أوانه وبال، فكيف وأنت ما زلت عروساً؟ قلت:

- طمحت لليوم الذي أتزوج فيه، إلا أنني اكتشفت كم كانت الحياة رائعة بلا قيود، لا أخرج إلا مع زوجي أو مع أمه، عليَّ أن أعتني بنفسي لأجله، لأكون فاكهة مقطوفة جميلة ونظيفة تنتظر أسنانه وفمه، عليّ أن أستقبله لحظة وصوله وأظل معه أدور حوله، أطلب إليه أن يكون وديعاً حنوناً، أن يشملني برعايته، تصوري هذه حياتي، أعيش على هامش المطبخ، أعمل خادمة في النهار وعاهرة على سريره ليلاً، وأنا التي دعت لحرية المرأة، أبعد هذا عبودية؟

- وزوجك؟

روايات · الصفحة ١٠٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٩٣