تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- لم نصل بعد إلى ذلك!

- تصارحا أولاً ثم تعال إلي، لا أريد أن ألعب المندل!

-32-

كنت عصية على التصنيف، وإن كنت أقرب إلى النوع الثاني. تؤمنين بحرية المرأة، ولا مانع عندك أن يكون حولك أكثر من صديق. عملك في إحدى الخلايا التنظيمية جعلك متحررة، جعلك محط بعض الأعين، خاصة عندما تأكدوا أنك تملكين فكراً جدلياً، تطالبين بحرية المرأة وإنصافها ومعاملتها كالرجل، وفصل القوانين الخاصة بها عن الدين، تدافعين عن التشريع المدني وتثبتين أن الدين ليس ضد ذلك، لكن كلامك أكبر من عصرك، جاء كخنجر موجه إلى صدرك، أقرب الناس إليك ومن معك في حزب واحد، أنكروا حريتك، ينظرون إلى المرأة كدمية، دورها في الملاهي والإعلان والمطبخ. جرأتك دفعتك إلى انتقادهم، وإلى الحديث عن العشق والحرية والديمقراطية وتحرير الجولان، في عينيك أنسٌ وشموخ، وفي صداقاتك انتصار على الذات، متحررة وأصدقاؤك من الجنسين، سمحت لنفسك أن تخرجي مع عدد منهم كمجموعة أو كل واحد على انفراد، تناقشين وتتحدثين عن الصداقة والحب وتخططين لمستقبل أفضل، تنتقلين من واحد إلى آخر وأنت مغردة، هم يعرفون أنك تصادقين غالبيتهم، كل واحد يظن أنه الأثير، يريدك لذاته، تخصينه بكلام ونقاش وموعد، يهيم ويظل طعم اللقاء والكلمات الرائعة تتردد مع كل لقاء.

هذه حياتك تمارسينها دون تعقيدات، فيها الكثير من اللهو والمرح، لم تتصوري أن يوماً سيأتي وتكوني على الرصيف وحيدة وبلا رفاق وإرادة، وبلا خلية تجتمعين فيها، تبثين شكواك لرفاقك، تزعزع إيمانك بما كنت تنادين به، ارتددت، أنت فتاة، ما المطلوب منك ما دمت غير قوية؟ لم تقبلي الرضوخ، مع أنك تعرفين أن القوة تتحدث، تصمتين حتى تملكي القوة، حاولت نسيان الآلام، أعددت نفسك لحياة جديدة، بعيدة عن كل ما ناديت به، رضخت للواقع وسلمت أسلحتك، ارتضيت حياة الحريم، شعرت أن شيئاً ما في ذاتك ناقص، لم تزل نظراتك سوداوية، ومع ذلك جاهدت للوصول إلى النشوة والقبض عليها، تؤمنين بأن قمة كل شيء نهايته، وأن ذروة الوصول إليها هي لحظة زئبقية، تحسين بالفتور والغم والارتخاء.

روايات · الصفحة ١٠٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٩٢