تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم مصطفى ما زالت جميلة ولطيفة، مكتنزة الجسد، تخفي التجاعيد بالتدليك والمساحيق، والشيب بالصبغة، ترتدي من الثياب ما يجعلها شهية. الكناران المغردان في صدرها تحولا إلى يمامتين هرمتين فقدتا القدرة على التمرد. تذكرت ذاك الجسد الرشيق القادر على الطيران، يعانق السحب الماجنة، يجيد لهجات العشق وفنون الطرب، ومحاكاة النجوم وسلبها بريقها. كانت عود رمان، حافظت على رشاقتها ثلاث سنوات. بعد الإنجاب لم تعد تعتني بجسدها الذي بدأ يترهل، خاصة بعد تناولها حبوب منع الحمل. مطيعة تودع زوجها وتخرج معه يومياً حتى الباب الخارجي، وعندما يبتعد قليلاً تقول على مسامعه: «الله معك» لم تفقد آداب اللياقة والاستقبال لزوجها وأقاربه وأصدقائه. تمزح وتمرح مع أولادها، ربتهم على الطاعة. أما إذا انزعجت فإن صوتها يلعلع، ترد بحركة من كتفيها أو رأسها، يبدو وجهها ثقيلاً مكللاً بالغمام، البيت يكاد ينفجر بمن فيه. مرة واحدة ذهبت إلى بيت أهلها بعد أشهر من زواجها، بسبب خلاف بسيط. في اليوم الثاني سارع زوجها لمراضاتها، اشترى سواراً ذهبياً وأهداها إياه عربون حب.

أحب مصطفى يوم الاثنين ليسترق السمع حيث تجمع أمه الجارات والصديقات في غرفتها أو في الصالون. يغلقن الباب، فلا يصل إلى أسماعه سوى بعض الوشوشات والنكات، التي لم يكن يعرف مغزاها الجنسي. يحرص على البقاء في البيت، مع أنه لا يعي معنى الحركات والأغاني التي يراها ويسمعها، إلا أن شيئاً في داخله يدفعه للبقاء، يراقب وهو سعيد جلساتهن ورقصهن وغناءهن، يسمع وصلات غناء جميلة ورائعة، وهمسات وضحكات تنتشر في أرجاء البيت، يذكر موسيقاها التي لم تغادر أذنه، إنه لا يعرف ماذا تعني أغنية «يا قضامة مغبرة يا قضامة ناعمة» ولِمَ كل الدلال والتحبب للمرأة؟ ما زال يحفظ بعض الأبيات:

جابلي منديل بورقة…وقالي قومي يا لبقة

قتلوا جسمي ما بلقى…لبسني وأنا نايمة

تكر الضحكات ويرتفع صوت الموسيقا والغناء. من الثقب الذي نسيت أمه أن تضع المفتاح فيه على غير عادتها، ينظر. نساء شبه عاريات يتمايلن غنجاً ودلالاً. أمه أميرة بجسدها العاجي المشع كالبرق، تتمايل وتتقصف وهي تدور وترقص، وقبل أن تجلس تختار من تحل مكانها. لأول مرة يرى أمه على هذا القدر من الجمال والرشاقة، حتى إنه صار يلقي نفسه في حضنها، ويطالبها أن تمسّد شعره، فيشعر براحة تامة.

روايات · الصفحة ١٠٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٩٠