تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انسحب منكس الرأس وكأنه بال في بنطاله. قرر أن يثبت لوالده، أنه لا يرضى بالفتات. تذكر آراء صديقه الشيوعي، ما أشبهها بموقف والده! تمنى أن يعرف الصح من الخطأ، وأن يتجاهل آراء مدرس التربية القومية ومدرس الديانة، أما آراء والده المتمسك بالديمقراطية الغربية، الانتخابات، التنافس الحر وتبادل السلطة، الحرية، فإنه لا يستطيع أن يحكم عليها.

كل يوم يسمع آراء جديدة تناقض ما سمعه سابقاً، آراء أعمامه، أخواله، أصدقائه، الناس، الإذاعة والصحف، قرر عدم الانتماء لأي حزب. بات يكره الشيوعية والأحزاب الدينية. اهتزت شخصيته. واجهته سلطة أمه التي لا يستطيع تحديها، بل يكبر حبها حتى طغى على ما عداه، فإذا أراد أن يصف شيئاً جميلاً، يصفه كما وصفته، يقلدها في الحديث، حتى في تأدية الصلاة وفي تلاوة السور والآيات ذاتها التي تتلوها. تعود على طاعتها وتقبيل يديها. الشيء الذي يزعجه نظام المطبخ وأوقات تناول الطعام، إذ لا يستطيع الأكل حتى لو جاع وتأخرت الوجبة، عليه أن يصبر ليحضر الجميع ويتحلقوا حول المائدة. أحياناً يتمرد، يتناول سراً بعض الأطعمة قبل موعد الوجبة، تشاهده أمه فتوبخه وتتهمه بالجشع والإخلال بمواعيد الوجبات. شديد الحذر. لخوفه يذهب إلى الحمام والطعام بين ثيابه. أحياناً تكتشف أن يداً امتدت إلى أحد الصحون. يقسم أن لا علم له. تتركه وتحقق مع والده الوحيد القادر على ذلك دون أخذ إذنها هو والصغيرة المدللة، التي تفاجئ إخوتها بالطعام، ترفض إعطاءهم. وإذا صادف واشتكت، فإن القيامة تقوم على رأس من اشتكت عليه.

تعلم الإنكار حتى لو كان الأمر بسيطاً، منذ عقابه لتناوله قطعة حلوى، وجده أقصر الطرق للنجاة. شيء آخر يزعجه هو احتفاظ أمه ببعض الأطعمة التي يسيل لها لعابه، تخص بها والده، لا تخجل من هذا التمييز بل تفاخر به، الأب عماد الأسرة، يستحق عناية خاصة، تشعر بالاعتزاز والزهو وكأنها طاووس نفش ريشه.

أشد ما تمناه حين رؤيته للمبرومة، أن يتناول قطعة منها، تظل رائحتها تطارد أنفه، وطعمها لعابه، وشكلها عينيه، يحاول تجاهل أوامر أمه والسطو على قطعة، بحيث لا يظهر أي خلل في الكمية. تساءل عن مغزى الأكل في السهرة، ولماذا يتناولانه بعيداً عنهم؟ ظلت الأسئلة تتردد في ذاكرته المتعبة.

روايات · الصفحة ١٠٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٨٨