تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كادت تضيف كلمة الأخوال، لكنها لم تفعل. ما يأخذه من أعمامه أكثر بعشرات المرات إذا قورن مع عطايا أخواله القليلة أو المعدومة. ربما لأنهم ليسوا بغنى أسرة الحفاة العريقة بنسبها وبساتينها وتجارتها وأموالها التي لا تحصى. أخواله فقراء لم يرثوا عن والدهم سوى البيت الذي باعوه واقتسموا ثمنه وكل واحد تصرف بحصته. أحدهم اشترى شقة وآخر دكاناً أما أخواها الصغيران فوضعا مبلغهما عند جامع الأموال راني. هي وأختها الصغرى أخذتا حسب الشريعة. تعطي إخوتها بعض المساعدات والهدايا في الأعياد والمناسبات.

أرضعت صغيرها حب عبد الناصر، هذا الاسم الذي صار جزءاً منه، تردده على مسامعه، حبه ملأ فؤاده كحب والديه والله، وظل حاضراً في ذاته حتى في فترة الانفصال وأوائل حكم البعث. لم ينهزم الرمز على الرغم من وقوف أعمامه مع الانفصال. يسمع في اليوم الواحد مجموعة آراء. وبات يدرك موقف أهله الذين يدعمون الصف القوي حفاظاً على تجارتهم المزدهرة. قال عمه الفقيه: "نحن أتينا بعبد الناصر. ماذا كنا نريد أكثر من أن يخلصنا من أحزاب كادت أن تقبض على السلطة؟ كان صفقة تجارية رتبناها."

مصطفى غير مرتاح لما يسمع. آراء متناقضة ومغالية، تتبادل الاتهام. والده خائف من حماسته. أخبره بصريح العبارة أن السياسة ترفع ساقيها لمن يباركون صونها لقدسية الوطن وشرفه. التجربة مغامرة، يخرج السجين إذا كان طويل العمر بعد سنوات ذليلاً ومتهماً وممنوعاً من السفر وسجانه هو الوطني. ما يؤلمه أن الناس العاديين باتوا متفرجين. حتى الطبقة الوسطى التي يصنع أبناؤها التاريخ استهدفوا، شمروا عن سواعدهم ليمضوا نهارهم بالعمل، ليطعموا الأفواه الجائعة. قال أبو مصطفى موجهاً كلامه لزوجته وأولاده: "أحببنا عبد الناصر، لكنه خدعنا بكلماته الحلوة!"

حزن مصطفى. بردى يفيض على وجنتيه. كيف سيكون رد والده إذا أخبره أنه سيدخل بوابة السياسة؟ يحصل على ميزات تساهم في بناء شخصيته وتؤهله دخول الفرع الذي يريده في الجامعة. والده كتاجر سيشجعه على دخول معترك الحياة من أي باب، ليرتقي إلى ما يريد. تلعثم وهو يبدأ حديثه. مسح عرقه وهو يشرح وجهة نظره إلى أبيه. هزه والده من كتفه وقال: "أين تكافؤ الفرص؟ هل أنت مقتنع بما تقول؟ الأهداف الجليلة تحتاج إلى عظماء، أنت لست منهم. غايتك تافهة، إياك أن تصغّر نفسك ثانية."

روايات · الصفحة ١٠٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٨٧