عم مصطفى إمام جامع وفقيه، مفتي عائلته وعائلات أخرى تلجأ إليه لحل النزاعات، مشهود بصدقه وعدله، يدرس المشكلة التي تعرض عليه، يستشير أهل الرأي قبل أن يعطي حكمه الأخير، يتأنى في إصدار الأحكام في القضايا الصعبة التي تحتاج إلى شهود، يضطر في بعض المرات إلى دفع المال من جيبه الخاص للتوفيق بين متخاصمين أو الإصلاح ما بين زوجين، يصرف على بعض العائلات المستورة من أموال بعض الجمعيات الخيرية. مصطفى محب لعمه، مولع به، يداعبه ويلاعبه، يمسكه من لحيته، يشد بعض الشعرات البيض، بينما يد عمه تحاول أن ترده، فأيدي الصغار لا يجوز أن تعبث بذقون الفقهاء. تعلم وتتلمذ على يده، قراءة القرآن والكتابة والحساب. كل ما يأتي يُحضّر أسئلة عن مبطلات الوضوء وكيفية الصلاة، ومتى يحق للمسلم أن يفطر والصدقة ومقدار الزكاة والحج. هذه الأسئلة وعشرات غيرها تثلج صدر عمه، ابن أخيه عجينة يكونها، يأتي أحياناً ليشرح له بعض أمور دينه ودنياه، قبل أن ينتقل للحديث في أمور السياسة والحياة مع أخيه.
أبو مصطفى الحفا أكبر إخوته، بيته مضافة لأقاربه وإخوته الذين يعتز بهم، ما زالوا يستشيرونه في كل صغيرة وكبيرة. حتى الفقيه لا يتصرف دون العودة إليه، على الرغم من اختلاف الرأي في أمور كثيرة، هذا لا يمنع من طرح مواضيع للنقاش، مما يؤدي إلى وجود خلافات في وجهات النظر واجتهادات، وحتى لا تتسع شقة الخلاف تستبعد الأمور المختلف عليها، بينما يتم تعزيز ما هو متفق عليه.
مصطفى الابن البكر المدلل، تتقاذفه أيدي الأعمام والعمات والزوار، يغدقون عليه الليرات حتى كادوا يفسدونه. أمه الحريصة على تربيته وأمواله تقنعه بعدم صرف ما معه. تأخذ نقوده وتخبئها منذ كان عمره ثلاث سنوات. القرش الذي يُخبأ يبقى، أما الذي يصرف فيذهب، هذه قاعدة أمه للحياة والمستقبل. تبقي بيده عشرة قروش أو ربع ليرة، تضع القرش فوق القرش. جمعت له عشرة آلاف ليرة، أعطته المبلغ كاملاً، قائلة: "هذه النقود خبأتها من مصروفك خلال ما يزيد على عشرين عاماً. هذا ما كنت تأخذه منا ومن الأعمام والعمات وغيرهم."