الزمن يمضي وقد تصالح معك أو ربما تواطأ. فرات ما زالت مشعة وغضة، وكل يوم يذهب يجعلها أكثر تعلقاً بالحياة وأكثر تفكيراً. الآن تأكدت أنها أحبت بعواطفها بعيداً عن عقلها. لم تكن في يوم قادرة على تخطي تجربتها السابقة دون مساعدتك ووقوفك إلى جانبها، لم تبخل عليها بشيء حتى استطعت أن تنتشلها من المستنقع. أمها تتدخل في حياتها، تحاول أن تغيّر نظرتها وتعيد حساباتها من جديد، تبدو غريبة وهي تمسك جذوع الأشجار وتبكي. تقطر الأوراق دموعها، تهيم في ليل الغوطة وتقذف أحزانها. العتمة تسورها وتسدّ عليها الطرق. تفيض ألماً، تعج بالصراخ. يمتلئ صدرها وفمها صراخاً، تقول:
- تظن يا حامد أن الفتاة التي تفجع بخطوبتها، تستطيع أن تحيا كالأخريات!
- الأشجار تبرعم من جديد مهما كان الشتاء قاسياً.
بدأتْ تعيد التوازن إلى شخصيتها، تحسُّ أن عليها أن تنتقم، لكن ممن؟ شيء من الرطوبة تتسلل إلى فؤادها. أدخنة تتصاعد من رأسها، ترتسم خيالات وصوراً سريالية أمام ناظريها، الصور تهتز ضائعة وغير واضحة. بدت بساتينها ذابلة، اختلط عطرها بأدخنة المعامل. كتل الغبار تسدُّ الرؤية، تحيل لون الأشياء إلى داكن. سرى الخدر إلى جسدها، أحست بالضيق. حاولت أن تعيد المرح إلى روحها، والورود إلى خديها. حدقتَ بها لتعبر من خلالها إلى الحرية، فاض بردى على صدرها مالحاً ودبقاً. نظرتْ إليك. لم يعجبها لومك، قالت: "أنت قاسٍ ومتوحش!"
أحست أن مزاجها غير رائق. من الصعب بقاؤكما على طاولة واحدة مدة أطول. غادرت لكن الحب ظهر في عينيها لحظة الوداع.
-30-
طلبتَ إلى السائق أن يسرع خوفاً من حلول كارثة. أخذ السائق كلامك على محمل الجد. لا أحد يعرف بما فكّر. تغيّر لون وجهه وضغط على دواسة البنزين. أطلق العنان لبوق السيارة وأخذ يتجاوز ما أمامه. هدأتَ من روعه وأخبرته أن الأمر لا يحتاج إلى مخاطرة بروحه وسيارته.
خفف من سرعته. ملأت الضحكة وجهه وارتسمت على شفتيه، لم يتصور أن هناك من يحاسب على دقيقة أو دقيقتين. استمع لما قلته عن مديرك السيد أيوب الذي لا يعترف لا بالأعذار ولا بالمسائل الإنسانية. يلغي المرض والحالات الطارئة. المهم أن يحضر المعلم في الوقت المناسب يدخل الصف ويغلق الباب. تأخرك لهذا اليوم إن حصل سيؤدي إلى مشكلة وأنت في غنى عنها. يراهن على ذلك وينتظر اللحظة المناسبة. يقول في سره: «وقعت وما حدا سمى عليك».