هل كانت أمها تحلم بالزواج من شيخ، فجاءها النقيض؟ لكنه مع الأسف لم يستطع أن يغيّر شيئاً من تفكيرها. لا تحترم علمه. تسخّر الأعراف والقوانين والعادات والتقاليد لتبرهن على صحة أفكارها. الصراع مع زوجها مستمر لاعتقادها أنه سنة الكون وتتويج للصراع الفطري بين الذكر والأنثى، عليها أن تتفنن في أخذ طلباتها وخرجيتها، تمنعه من السهر خارج المنزل، يتحايل عليها ويقتنص بعض الساعات ليزور رفاقه ويطور تفكيره وفنه.
أمها تريدها نسخة كربون، تحمل أفكارها وتلغي أي تطور أو اجتهاد. تلاحقها تجربة أبي سبحة. تحاصرها المرارة والخيبة. هزيمة الحب تجرح كبرياءها وروحها. استجمعت قوتها وقالت كلمتها عن الحياة والحب، وكيف أن الارتباط يأتي تتويجاً للحب. تدرك الآن أن على أمها أن ترضى بطريقة حياتها وتفكيرها، وأن تدعها تختار، فالزواج ليس مجرد دعوة للنساء ليأخذن حريتهن في صالة الفرح، يمارسن إيماءات الجسد، ولغة رشيقة وإن كان فيها تعابير مبتذلة، ولا هو دعوة للرجال لسماع المولد النبوي الشريف، أو ممارسة طقوس الريف والدبكة، أو ذكر وأنثى في مكان مغلق، بل هو رغبة روحين وجسدين لن يفترقا طوال عمرهما.
فتحت قاموس الغوطة، قرأت ما ورد في باب المرأة، تبللت وريقات المعجم بالدموع، بالمطر. النسوة تلحن قصائد الوجع، يغتصبن النشوة. تذكرت أقوال أمها، وإصرارها على تزويجها على هواها، وفي ظنها أنها تضمن سعادتها، ناسية أن روحها تعشق الغناء والجمال، وأن قدميها تتقافزان وتعدوان مع شخص غير الذي أرادته فارساً لها، وأن المغني السكران يلهبها بصوته وفنه، يمدها بقوة تدفعها للتحدي.