تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يتصور أقارب زوجها أنها أريحية لهذه الدرجة، ولن تبالي بما تسمع، وهذا ما زادهم عجباً، منهم من احترم رأيها واعتبرها موضوعية ودافع عنه، ومنهم من احتقره واعتبرها لا تحبه، تباينت الآراء بين أن تكون عظيمة أو تافهة، وجهان لا يمكن أن يتحدا أو يغيب أحدهما في الآخر، تداخلا في الاحتفال الذي أضفى أناقة على العروسين. بدت عظيمة في نظر زوجها وعائلته، فوق الشبهات وصغائر الأمور. ساد الصمت الذي يكشف عن خبايا النفس، ظهرت الدهشة، كيف لامرأة تسمع قصصاً عن زوجها ولا تفعل شيئاً؟ تقف سلبية، أين حرارة الغيرة؟ ظلت شامخة كالنخيل، أعجب مصطفى بكل ما قالته، وبعدم مبادرتها إلى محاسبته، ولكونها قدمت تنازلات لم يحلم بمثلها، تركت التدريس، ودّعت آخر يوم دراسي، قالت لزميلاتها إنها لن تعود إلى التدريس في السنة القادمة، ودّعت العمل بما يحمله من معان إيجابية، ودّعت ذاتها وطموحها، غادرت الحياة والعطاء، لتقبع بين أربعة جدران، تنتظر زوجها، وإذا تأخر تقلق وتحسب ألف حساب.

لم يكن سهلاً عليها أن تودع التدريس، تودع الطريق والسيارات، الأفراح والأتراح، والحرية الشخصية. في البداية رأت أنه الحل الأمثل، لكن مع مرور الأيام أدركت كم كانت غبية ومتسرعة! ماذا يفيد الندم؟ عيناها تتوشحان بالحزن. قدمت تنازلاً لترضي زوجها. الآن عليها أن تنسى، وأن لا تطالب بالعودة إلى العمل، إلى سابق عهدها، بل تستعد لتقديم تنازل آخر. تتذكر تفاصيل حياتها، تمسح دموعها، من أجله تخلت عن دورها في الحياة، تقاوم وتصبر لتحيا، عوضها في الأيام الأولى للزواج عن الأيام الحزينة، بدت عليها السعادة، تميل إلى تمثل حياة الأسرة، تعاودها أحياناً روح التحدي، تلعن وضعها والساعة التي اقترنت فيها بمصطفى. الماضي يدغدغ عنفوانها، يستفيق بعد سبات، تحسُّ بأناملها تعد الأيام، تنفض غبار المطبخ، تستعد للمواجهة، ترتدي ملابس الخروج، أحلى فساتينها على جسدها الناعم، عليها مهام جديدة منذ اللحظة.

-29-

روايات · الصفحة ١٠٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٧٦