ذات صباح تحرش بها. وقع دفتر تحضيرها، تناوله وناداها باسمها طالباً إليها أن تتوقف. التفتت بانزعاج وقالت:
- نعم!
- دفترك يا آنسة هلا!
- من دلك على اسمي؟
- دفترك!
ارتعشت وهو يلفظ اسمها، نظرت إلى يدها اليسرى لا شيء سوى محفظتها. بدا عليها الارتباك. امتدت يدها لتأخذ دفترها. شعر بارتياح. ابتسمت وأجابته برقة: "شكراً!"
ناولها الدفتر وأخبرها بأن طريقهما واحد. توقفت وحدقت به، وطالبته متابعة سيره، أخبرته أنها لا ترافق أحداً، وهي تعرف طريقها. ابتسم ومشى خلفها، التفتت إليه، خجل وغيّر طريقه واختفى، أثارت حركاته فضولها. ذات صباح توقفت ووبخته، لم تقتنع أن المعجب يحق له ما لا يحق لغيره، اعتذر وطالبها أن لا يذهب فكرها بعيداً. نكس رأسه حين أخبرته أن لها بيتاً، أحرجته هذه الكلمات، لكنه عندما فكر بمضمونها، عادت له الابتسامة، بدأ يفسر كلامها، ما عليه إلا السير إلى جوارها في المرات القادمة، وتعريفها بنفسه وأسرته وهذا ما فعله.
بعد هذه الحادثة صارت تسلم عليه، تسمح له بمرافقتها لمسافة قصيرة، بعد شهر سمحت له أن يوصلها إلى المدرسة، تجرأ ودعاها إلى بيت شقيقته في الزبداني، وإلى بيت خاله في الشيخ محي الدين، وإلى تناول الطعام في مكان عام حيث كانت أمه تنتظرهما، وفي المرة الرابعة زارت بيته وبقيت مع أمه التي قدمت لها الشاي ثم القهوة. سرت أمه بهلا ووصفتها بأنها فتاة مهذبة وجميلة، عيناها سبحان الخالق، وجسدها معجون بالحنطة، أخبرته أنها ستسأل عنها بطريقتها الخاصة.
هلا لم تستطع التخلص من ماضيها، من أوهامها، أفكارها السوداء تحفر عميقاً في صدرها، تصير جزءاً منها، سألت نفسها إن كانت الذكريات قد بدأت تتلاشى. مرّ كل شيء حتى الخطوبة على مايرام. إنها خطيبته وعليها أن تعيش حياتها.
غيوم تشيخ تدفعها الحرارة والتغييرات الجوية إلى التلاشي في عالم اللاوعي. الذكرى تلملم شتاتها. لحن أزلي يرشقها في دائرة اللاوعي، تاركاً آثاراً غير مرئية. الأحزان والأفراح جيوش تتقاتل في مجرى وتلافيف الدماغ، لتثبت أيها الفعال، ليصير لإحداها الحضور، أما ما يغيب فيتراجع تحت ظروف قاهرة، قد يأتي زمن ويحفزها ثانية لتتبوأ الصدارة دون افتعال، كل شيء قابل للتغيير، فهذه تتحكم فيها عروق دقيقة في المخ لا سيطرة عليها.