تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القمر الشاحب يغطي وجهه، يهرب بعيداً غير قادر على سماع تفاصيل مأساتها. الينابيع التي تدفعها الجبال لا تعرف لِمَ زيادة كمية المياه المتدفقة؟ الفرح في العيون تمحوه الفيضانات. تفقد عيناها تدرج الألوان في لحظة جنون الذاكرة، لا ترى إلا لوناً واحداً. الجنون عنوان عريض يتلبس حياتها، لا سبيل إلا الوحدة ما دام نبع الحياة لا يجدد مياهه. أمامها كومة أحداث وتجارب، عليها أن تلتفت إلى الواقع ما دامت الحياة مستمرة على الرغم مما حصل، لن تستسلم، على ماذا تخاف؟ لا شيء تخسره بعد خسارتها، ستظل تحاول أن تخرج من النفق الذي حشرت تفكيرها فيه، أبعدت الهواجس، أمامها أعمال ستنجزها، قد تفعل ما لم تفعله منذ زمن، مقتنعة أن الشمس ستنفض عنها الأتربة، وستهديها الأمطار أحلى الأطياف، وتزين جيدها الأنوار. لم تنتبه إلى شاب يباريها كطفل يلحق بأمه، كان هذا مصطفى طالب الحقوق الذي لم يتخرج، ما يزال في السنة الأخيرة، ينتمي إلى أسرة الحفا العريقة بتدينها وخدماتها المجانية. جدهم منذ زمن الأمويين يمشي حافياً، طوال يومه ينظف سجاد الجامع الأموي ومفروشاته، هذا الجامع الكائن في نهاية سوق الحميدية، لم يره أحد من معارفه ينتعل حذاء طوال سنوات حياته التي قضاها أميناً للنظافة، لا يعود إلى بيته إلا ليلاً ويغادره قبيل صلاة الصبح، عائلته تفخر بعملها وبنسبها الذي يتصل بقبيلة قريش، والذي أهلّها لمثل هذا الشرف، لديها شجرة نسب تثبت ذلك، الجد الخادم للجامع لا يتقاضى عن ذلك أي أجر، بل ينفق من أمواله على الجامع، لديه بساتين في منطقة المزرعة ومعصرة زيتون، من إيرادهما يصرف وما يفيض عن حاجته يهبه لبعض العائلات المستورة.

الحفا شاب فيه شيء من خجل أجداده، راقب هلا دون أن تشعر، لم تلتفت أو تكلم أحداً، ماذا تريد من الشباب؟ لا شيء وراءهم سوى الشر، مصطفى أعجب بجمال جسدها وروحها وكبريائها، يصر على التحرش، وهي تصر على تجاهله، وهذا ما جعله يفور ويغلي، مستعد أن يخرب العالم مقابل أن يسمع كلمة. اعتنى بأناقته وهندامه، لم تنتبه ولا تعلم إن كان يطاردها أم رؤيته من قبيل المصادفة. الحياة علمتها أن لا تأمن لأحد، طوال المدة الماضية التزمت في ذهابها من بيتها إلى المدرسة وبالعكس توقيتاً لا تحيد عنه، قال بينه وبين ذاته إنها الفتاة المطلوبة، كبرياء يصل إلى السماء وأنوثة ورقة قلّ نظيرهما.

روايات · الصفحة ١٠٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٧٣