الآن تأكدت أنها تهرب إلى الفرح الذي غادرها، حملته كما تحمل دفترها، عافت جسدها الذي حلمت بنضوجه، ودت لو يشيخ، أن تعود إلى صحرائها، إلى الرمال والعجاج، أن تلبس ثياب التصوف. علقت حزنها على وجهها، على باب قلبها، تشتهي الأقمار والشموس، تركض إلى الحلم الذي يعاندها ويبتعد، تهرول خلفه ولو كان بعيد المنال، تشتهي أن تأتيها الأيام طائعة، تعتذر عن كل آلامها، أخوها حسن الوحيد الباقي من أسرتها بعد وفاة والدها، يثق بها ولا يسألها عن شيء تفعله، تطلب إذنه في بعض الأمور، خلصها من الإحراج بقوله: "هلا أنت فتاة متعلمة ومثقفة، صبرت معي على مرّ الحياة واليتم، أنت ما تبقى لي، كيف لا أحبك وأهبك ما تستحقين؟ كيف لا أثق بك؟!"
سنوات مرت وتزوج حسن، خيّرها أن تسكن معه في مدينة دمشق، أو مع عمه في «كوكب» الملاصقة لبلدة عرطوز، تلك التلة التي اختارها لارتفاعها لتستقبل النسمات الآتية من الجولان.
قررتْ أن تحمل آلامها بعيداً عن أخيها وأقاربها، وأن تتسلح بعزيمة فولاذية لتتجاوز الحاضر، مقاومتها تدفعها للتحدي، أن تبتعد عن هواجسها وضعفها، تعيد شحن ذاتها، مستعدة أن تهدم الكون وتلهب قلبها وقلوب الآخرين، أدركت أنها على شفا هاوية، وعلى قرارها يتحدد مستقبلها، أهي قادرة على التحدي أم تظل رهينة قفصها الصدري؟ ذهنها يعج بالتساؤلات، غير قادرة على تركيز أفكارها، ما يحزنها أنها مثقفة وغلطتها بمليون، تذكرت حيويتها، حياتها، صداقاتها، ما كانت تقوله لرفاقها. التغييرات التي حدثت جعلتها خرساء، لا تتحدث لا في السياسة ولا في الاقتصاد، ولا تبدي وجهة نظرها التي تستمدها من النظرية المادية، ترى أن ما حدث هو انعكاس للواقع والحياة الهامشية والوضع المعيش، الآن تدرك أنها تعيش وضعاً مأساوياً، يريدون أن يجردوها من آخر قوة تملكها.
هلا عينان ذابلتان، دموع شفافة، وجه شمعي وحزن بحجم الدم الذي يجري في عروقها. البراعم شربت من بقايا دموعها، ومن بقايا الدم الذي تضخه في أوردتها وشرايينها. أورق الدمع حنظلاً، عليها أن تصمت إن كانت تود لحياتها الاستمرار. التنهيدات تلال من القهر، دموع حمراء تفيض على الكبد، أوجاع في الدماغ، وفم لا يأكل ولا يتكلم، هل هناك ألم أكثر من ذلك؟