تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قررت أن تتجاوز آلامها، تعيد الثقة لروحها، لا طريق إلا هذا النهج، ما حصل أكبر من أن تتصوره أو تتقبله، لماذا لم يحصل إلا معها؟ لم تسلك يوماً الدروب الوعرة، حلمت بالتخرج لتتقدم لمسابقة انتقاء المدرسين، تُدرس مادة اختصاصها ويتحسن وضعها المادي، إن بقاءها مدرسة للصف الثالث حجر دماغها، لم تعد قادرة على تطوير أساليب التدريس، بحاجة إلى دورة إنعاشية، ومع ذلك كانت الحياة رائعة، الشمس تشرق كل يوم، ومع شروقها يبدأ العمل، تجاهد لتصل إلى عملها دون متاعب، وجوه زميلاتها كالورود والفراشات، كلهن في سن العشرينات أو بداية الثلاثينات باستثناء المديرة التي تجاوزت الأربعين. تدخل إلى الصف تشعر بالأمومة، بالصغيرات وهن يبتسمن ويقدمن الياسمين، تبدأ يومها بابتسامة، أيامها عادية. الآن تدرك كم كانت رائعة تلك الصباحات والأمسيات! وكم للمرح والمزاح روح شفافة! تضحك فإذا قهقهاتها تتسلل إلى الباحة، إلى آذان التلميذات اللواتي يسألنها بكل وداعة وطفولة عن سر ضحكتها، تبتسم ولا تجيب، تسأل نفسها إن كانت قادرة على ابتسامة واحدة من قلبها؟ تشتهي أن تلبس ما يجعلها محط أنظار الآخرين، وعندما ينحسر فستانها عن فخذين رائعتين كحدائق بابل المعلقة، تدعه على حريته، ولا تخجل من العيون التي تلتهم الجمال. تحب المديح كالصغار. تهرب إلى ذاكرة الطفولة المعذبة يوم كانت تلميذة في المرحلة الابتدائية، تسألها الآنسة عن عدم اشتراكها في الرحلات المدرسية، تستدرجها للحديث، يجرها ذلك للسؤال عن والديها، وعن سكنها الحالي، يتجمد الدمع في عيني المدرّسة وفي عيون التلميذات، تتأكد مما قالته تلميذتها عن فاجعتها بمقتل أمها وإخوتها في الجولان. تتعاطف معها، تشجعها، وتتبرع لها بمئة ليرة في كل شهر، صارت شغلها الشاغل، في الرحلات تأخذها وتتكفل بمصروفها، تأكل مع الآنسات، تلتهم اللحم المشوي اللذيذ وهي خجولة، متفردة في حزنها وفي أفراحها.

روايات · الصفحة ١٠٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٧١