حامد نسف مقولاتك، أعاد لك إنسانيتك واعتبارك. كنت ضد إقامة أية علاقة، لكن الأمور اختلفت عندما اصطدمت بالواقع، شعرت أن الغشاوة التي تلفك تزول، وأن ما يحدث معك، يخرج على نطاق الذات وسيطرتها. عدت إلى بيتك، أحسست أن يومك مختلف، كل شيء بدأ يتغير، ماذا تريدين منه وماذا يريد؟ تطلعت إليه وابتسمت فبان الشعاع والألق اللذان عادا إلى عينيك.
في الصف لم تستطيعي أن تعطي تلميذاتك أي درس في ذاك اليوم، كتبت التاريخ على السبورة، وطلبت إلى العريفة أن تسمع الدروس. في الحصتين الثالثة والرابعة كتبنه، وفي الحصة الأخيرة رسمن الورود. تضعين يدك على خدك وتسرحين، تسألين نفسك، كيف قبلت الورد؟ أأنت مهيأة لعلاقة غرام أو خطوبة؟ لقد حدث ذلك دون إرادة وتفكير، امتدت يدك وتناولت الوردات، ثم بدأ سيل من الأسئلة، ما نهاية مثل هكذا علاقة؟ أتحدثين أمك وأختك أم تتركين كل شيء دون تخطيط؟ أيعقل أن تنسجي علاقة دون تفكير، وأنت ابنة مدينة تحسب لكل شيء حسابه؟ سألت بطريقتك عنه وعن أهله، عرفت الكثير، المؤلم أنه ليس شامياً، وأن الاقتران به لن يشكل رفعة لعائلتك، تناسيت ذلك وبدأت تتهيَّئين للأيام القادمة، لتنامي الإعجاب الذي قد يجر إلى الخطوبة والزواج. فكرك يكاد ينفجر، لن تحملي عناء الإجابة، ستتركين ذلك للزمن. هل تورطتِ حين ذهبت معه مشاوير؟ لو لم تقتنعي أنه الشخص المناسب لكنت رفضت وروده، لكنه مع ذلك لم يأتك على ظهر حصان أبلق، جاءت عائلته مهرولة من الجليل، وهذا لا يناسب أمك وأنت لن تتزوجي دون موافقتها، وإذا لم تقل مبروك بالرفاء والبنين، ستظلين تراوحين في مكانك، شعرت أن معرفتك به هي بداية سلسلة من الآلام والأحزان، لا تعرفين متى ولا كيف تنتهي.
-28-
الغمام يتبرج، يبحث عن سماء لا بروق فيها ولا رعود، يهرب دون وعي، يضل الاتجاه ويتبدد في المجهول، يحسُّ بالضياع ويستعذب الفوضى والبكاء، إلا أنه بهذا التصرف لا يزرع الفرح، بل يبقي الحزن في الصدور، فبدل أن تبدو الغيوم وهاجة مضيئة فضية معطاءة، تبدو أشبه بقافلة من الغجر. يحزن القمر للعجاج الذي ملأ رئتيه، يغطي وجهه بكفيه، يحاول أن يبتعد عن الدخان، يحاول أن يفلت من الجاذبية.