من يوم أعتم النهار، أخرجت كل الأحلام من صدرك، ارتحل عنفوان احتضنه جسدك، سافر ذاك البريق المشع من عينيك، وتبخرت أنوثتك حتى غدوت فتاة تتسول شخصيتها. تكره النظر في المرآة حتى لا تذكرها بجمالها الضائع. صرت كالمياه الراكدة. شعرت بثقل الماضي. تخلصت في البداية من ذاكرته، من هلوساتك، من طبقة العفونة، من تجاعيد الزمن والمعطف المهترئ، تتمزق الوجوه التي ترتدينها، ترتدين ثياباً جديدة ووجهاً جديداً، شعرت بأحاسيس وقلق، أيكون الحب الذي تحرك داخلك؟ تحملين روحك على راحتيك، تحاكين الطبيعة، تغازلين الزرقة وتتماوجين مع الخضرة، تهيمين كالفراشة التي لا تقدر على التفريق بين السماء والماء، تتبدل التعابير في عينيك، تكشف تعبيرات وجهك عن داخل قلق وأيام مجهولة، وهذا لم يمنعك أن ترسمي لوحة جميلة مناقضة للمستنقعات، لوحة لمدينة، لشوارع عريضة، لواحة. خيوط فضية فتحت كوى. عواطف تداعب شرايينك. تبحثين عن أبجديتك. ذاكرتك تسبح. فؤادك يمنعك من النوم. يقظة تبحرين في عوالم سريالية. تتركين الرياح والأوهام تستنزفك من الداخل. صحوت على صوت عواء. استنهضت ذاتك وبقايا عنفوانك، ونظرة الآخرين إليك. تحملين شهادة الدراسة الثانوية. أنت معدة للفراش والمطبخ حسب تفصيل الثقافة المطلوبة من أية أنثى ستتزوج. هل هذه هي الثقافة التي حلمت وتحلمين بها طوال عمرك؟ اعتقدت في بداية حياتك أن معادلة الثقافة والجسد لا يجتمعان ولا يتفقان. الاختيار صعب، إذ يظل نداء الجسد هو الصوت الذي لا يعلو عليه أي صوت آخر. الآن تدركين أن بينك وبين الكتاب مسافة من الصعب تجاوزها، عليك أن تنهلي من ينابيع الثقافة في ظل أحد الخيارين اللذين طرحتيهما كبديل لهزيمتك، السفر إلى الخارج للدراسة أو الخطوبة من حامد الذي هاجم حياتك وأخذ نصيبه من الانتباه والاهتمام. وانتصاراً لخيار والدك الذي كانت أمنيته أن يراك كبيرة، تزينين دمشق بعلمك وفنك، تكبر بك وترفع رأسها، تفضلين إتمام دراستك.
روايات · الصفحة ١٠٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رواياتص ١٠٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي