تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حركت كلماته داخلها. الماضي في عينيها غيمة عاقر وغير قادرة على فرد أجنحتها، وتحويل القطرات المنسكبة إلى مطر وخصب. تحفر في الذات مجراها، تتوضع في داخلها الألوان القاتمة، تظهر على تقاطيع وجهها الباكي، تقاطيع تسبح في عالم الحزن والقهر، فتبدو عصية على المرح. الحياة تطعن الطيبين. يهزل الحق. الصراخ والعويل لا يهدم الجدران السميكة. تهرب النجود والسهول، شيء ما يفتت صدرها الفتي ويلتهم فؤادها، تحزن حين تتذكر أبا سبحة صاحب الوجه الجميل الذي ترك بصمته على حياتها. منذ خطوبتها غيرت الكثير من عاداتها، تخلت عن سفورها، اقتنعت بالمنديل تدليلاً على حسن نيتها، غطت ثلاثة أرباع شعرها، تركت الخصلات الأمامية تغازل جبينها ونهاياته تتكئ على كتفيها، وهي كأية فتاة شرقية إذا اعتادت على شيء يصير جزءاً مكملاً لشخصيتها، لا تستطيع التخلي عنه بسهولة، فكيف إذا كانت تميل إلى ترويض ذاتها على الأسوأ وقبول الواقع بعجزه؟ الأزمات لا تزيدها إلا رضوخاً و إذلالاً. قوانين المجتمع وأعراف الناس تفرض عليها أن تعيش مقهورة، وترضى بالقسمة والنصيب، وألا تقول أف!

تتلاعب النسائم بقميصها، تعانق محياها. تفتح ذراعيها وتطير عبر دروب العشق، تتدفق الكلمات إلى فمها وقبل أن تنطق يناديها. يطلب إليها الوقوف. يتأمل وجهها وصدرها وباقي تقاطيع جسدها. يجفف عرقها. الدم يتدفق إلى وجهها، يتورد كفتاة صفق لها زملاؤها. تحني رأسها. أناس يمرون من هناك، تمشي. قوام بديع متناسق كما لو أنها ذاهبة لتأدية حركات بهلوانية. يتراجع قليلاً ليأخذ لها صورة. عيناه تدققان في مباهج جسدها، صدرها وساقيها وردفيها. تحتضن الكلام الجميل. غزل يجعل هامتها تكتشف المزن، تكتشف أنها أجمل مما تتصور، تكتشف لحنها الرائع، تتوحد مع الجمال، النسمة تصير ألطف وأنعم على صدرها. ذبَّلت عينيها. أنثى معجونة بالحياء، خداها تفاح عرنة التي تتسلق جبل الشيخ. في روحها إصرار على أنها أميرة الجرود. غادرت الغيوم وبدت النجوم لامعة في عينيها، قال:

- أحسست أن النسيمات التي انطلقت، قد حملت معها أروع رسم تتباهى به، وسيرى القادمون بعد عام وفي مثل هذا اليوم تمثالك، تمثالاً من هواء!

- أنت اليوم شاعر! ذهب خيالك بعيداً، لماذا لا تقول إن النسيمات قد حفظت كلامنا وستعيده وسيسمعه القادمون إلى هنا بعد عام!

روايات · الصفحة ١٠٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٦٤