الطبيعة غافية، أيقظتها رائحة الأنوثة والأحاديث الطرية، صحا كل شيء، فإذا الرياح تغرد، العصافير طائرة تزقزق، تهرب لتعود ثانية في حركة رياضية، الطبيعة مليئة بالتطريز كثوب أم حامد، توجهوا عبر المناطق الزراعية والأراضي الوعرة، حيث أوصلهم المسير إلى دير مارسركيس ذي البوابة المستطيلة المصفحة بما لا يقل عن مئة مسمار ذي طبعة مربعة.
طافوا في شوارع معلولا وأزقتها، ما بين ترحيب الأهالي وابتساماتهم ومرح الطبيعة، شعروا أنهم في حضرة التاريخ، في حضرة أجدادهم، خاصة وهم يرون الأزياء القديمة. يتحدث الأهالي بلغة غير مفهومة لهم، إلا أنها غير غريبة على أسماعهم، سألوا عنها، فعرفوا أنهم يتحدثون السريانية بطلاقة، بعد الظهر توجهوا إلى مطعم صغير يقع في واجهة البلدة، فيه عدد من الطاولات وعاملان، أحدهما يلبي طلبات أربعة سياح، على الجدران ثلاث لوحات، الأولى للسيدة العذراء، ولوحة تمثل صلب السيد المسيح والثالثة منظر عام للبلدة، بجانبها ترخيص صحي، خلف الزجاج سحب متفرقة تغزو السماء، وشمس خففت كثيراً من وهج حرارتها، شدتهم التغيّرات الجوية، تحدثوا عن الخريف وتقلباته، جاءهم النادل بقائمة المأكولات، طلبوا وجبة غداء، بدوا فرحين يتبادلون المزاح وهم في فرح عارم، تناول حامد قطعة لحم وقدمها إلى فرات، نظرت إليه تستهجن ما يقوم به، احمرّ وجهها وقالت: أنا أتناول بيدي!
- خذي أيتها الجميلة!
ابتسمت هلا وطلبت إلى صديقتها أن تعامل حامداً بالمثل، وتقدم له الطعام بيدها، بخجل تناولت قطعة لحم وقدمتها، تناولها وحاول قضم أصابعها بحركة متعمدة وهو يحدق بعينيها، نظرت إليه وقالت: آخ يا متوحش!
تأمل فرات سماع المزيد من تعليقاته، إلا أنه صمت، عيناه تفيضان بالتساؤل تائهتان فيهما قلق ورغبة في إبداع الحياة من جديد. غادروا المطعم وحامد وسطهما، أسرعت إلى الفج مهرولة أمام فرات وحامد: "إلى أين؟"
ابتعدت عنهما، تجاهلت السؤال وصار من الصعب اللحاق بك، علقت فرات: "آه يا ملعونة!"
على بعد أمتار من بداية الشق جلس يحدق إلى وجه فرات، من بعيد صوت فيروز «بكتب اسمك...» حفر اسمه واسمها بخط أنيق وإلى جانبهما رسمت قلبين متعانقين، وضع يده فوق كفها بعد أن أكملت الرسم، كل شيء فيها متفتح وناهض ورشيق، بدا الخريف ربيعاً، نظر إلى بؤبؤ عينيها، الربيع في عينيها وابتسامتها، كل الفصول في فوضى وارتباك.