التقوا صباح اليوم التالي في مركز انطلاق سيارات القلمون في الزبلطاني، ركبوا في الحافلة التي اختارت طريق دمشق حمص، عند خان العروس انحرفت يساراً في مفرق صاعد يستمر ارتفاعه حتى ألف وستمئة متر، مروا على أراض جرداء مقفرة متماوجة، تلال على الجانبين وسهول معظمها غير مزروعة، مراع بكر، وصلوا إلى هضبة تقف كالجدار، اخترقتها السيارة لتنفتح أمامهم شيئاً فشيئاً معالم الحياة، وما هي إلا دقيقة أو أكثر فإذا بهم في حضن بلدة قديمة، بلدة كأنها أنزلت بطائرة مروحية، انتشرت عند مدخلها وقربها بعض شجيرات العنب وكروم التين الهرمة التي تتقصف أغصانها، طرق ترابية على جانبي الشارع العام توصل إلى أراض مزروعة حديثاً ومنطقة مفتوحة تحدها المرتفعات، تتخللها ممرات ضيقة ومتعرجة بعضها مسقوفة، على جانبيها بيوت مبنية جدرانها من الحجارة، أما أسقفها المائلة فمن جذوع الأشجار المكسوة بطبقة من الطين المجبول بالقش، هذه «معلولا» التي وصلوها بعد ساعة من انطلاقهم، تبدو الطبيعة متناقضة، منفتحة ومغلقة في الوقت ذاته، إحساس بالوحشة والألفة، وكما ترافقهم الوحشة فإن أماكن جديدة تتوالد ترحب بهم، كهوف ومغاور وطبيعة متمردة حاولوا استنطاقها، وصلوا إلى الشق الذي على يمينهم، الأرض مشبعة بروح الله وقدسيته، تفتح صدرها وتباعد ما بين يديها، يمرون في الانهدام، يشمون رائحة بخور معتق، بخور من آلاف السنين، حيث امرأة كبحت أنوثتها وصنعت أسطورة، فكانت بطلة هذا الفج، الذي جعله الله سالكاً لنجاتها، مع الزمن تمدد ليصل إلى الهضبة، حيث الصخور التي تتلقى النسيم العليل وندى الصباح وعذوبته على مدار السنة، طبيعة منكسرة ترتفع تارة وتنبسط أخرى محتفظة بصخورها في أعلاها، هذه الصخور التي عايشت الناس منذ آلاف السنين، بدت أليفة لا خوف من تدحرجها، حتى ولا من زلزال، إلى يسارهم البلدة القديمة التي تتسلق الجبل بأزقتها وأبنيتها، وكأن كل بناء يهيء للذي يليه، ساروا داخل الشق الموصل إلى دير القديسة تقلا، ومن هناك امتطوا المناطق الزراعية والهضاب.
روايات · الصفحة ١٠٦١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رواياتص ١٠٦١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي