عرفت فرات حالتك الجديدة وإصرارك على التمتع بمناظر المدينة والطبيعة، وصهوات المجد التي تحاولين صعودها، قالت في ذاتها: «إنك تعوضين ما فاتك، ويحق لك يا هلا أن تفعلي ما تشائين».
لليوم الثاني تغذين السير في المدينة، تقطعين الأحياء القديمة مشياً، تتمتعين بمنظر البيوت المتصافحة ذات الألفة، من برج الروس سرت باتجاه باب توما ومن هناك إلى النوفرة والقباقبية والصاغة القديمة، وفي اليوم الثالث تجولت في سوق الحميدية، واسترحت في الجامع الأموي ثم إلى الست رقية فالعمارة وفي اليوم الرابع والخامس... بعد أسبوع اشتقت إلى الأحياء الحديثة والشوارع العريضة والحدائق المبتسمة، استخدمت سيارات النقل الداخلي في تنقلك من حي لآخر، تريدين أن تتفقدي أحياء دمشق وتسلمي عليها.
في أيلول افتتحت المدارس أبوابها، وبدأ عام دراسي جديد، الأيام تعود أجمل مما كانت، في اليوم الأول شعرت أنك بين أخواتك، المدرسات يقبلنك ويسألنك، وأنت سعيدة باهتمامهن ومحبتهن، تقبلت تهنئتهن بنجاحك في الجامعة وعودتك إلى التدريس، تفيض أرواحهن بالمرح، تعلمت درساً من تجربتك، دفعت ضريبة جمالك، اللواتي مثلك إذا وقعن لن يجدن من يعينهن على النهوض، ما بك تستحضرين مأساتك؟ تحسين بتعب وإرهاق، تحيلينها إلى الإهمال، يقذفها الدماغ إلى مكان قصي، لتستقر في جانب خفي لا يستنهض حزنك، إن مجرد تذكرك يجعلك عرضة لآلام عميقة ووخزات في القلب، الأولى أن تقومي بواجبك اتجاه أهلك، تقررين زيارة قبر والدك، ستصارحينه وتطلبين مشورته، وبما أنه يثق بك وبأخيك حسن قد يحيلك إليه، لا غنى لك عن أخيك، لن تشغليه بموضوعاتك، هل يغفر لك تحت أية حجة أو مبرر؟
الذكريات تضعك في الماضي، تشعرين بالقهر، يملأ البكاء ملامحك، ضفاف الحزن تجرفك، تجرعت الكأس، أتدمرين نفسك وتقتلين روحك؟ ما الذي سيحدث لا شيء سيتوقف، سيسير المركب دونك وسيخيم الليل ولا خاسر إلاك، تدفعين دموعك إلى خدك، ما فائدتها وأنت تنطلقين ثانية؟ تشمين عبق الحياة، تولدين من جديد، كما يولد الإنسان بعد إخفاقه أو نجاحه، تصارعين خيوط العتمة، تفيضين أنساً وجسدك الخفيف يحملك إلى السحاب، حيث تحلقين في أجواء عطرة، عيناك المرحتان تشتعلان بالحب، أنت في حلم تستعذبين استمراره، في شوق للحياة، روحك تحلق ولن تنزل إلى الأرض إلا لحظة تتوحد بجسدك، لابد لها من أن تكتشف المجرات الأخرى، لتسكن جنة إحداها.