ذهبتِ إلى صالون الحلاقة، قصصت شعرك، عانقت نهاياته المنكبين مشطته وتركت بعض ذؤاباته على جبينك، غرة منسقة تغطي ناصيتك، يخيم الشعر على جبهتك أشبه ببيت شعر تواقعه الريح، تعرت السماء من شموسها وأوقدتها في الليل المتهاطل على كتفيك، جسدك يرقص حبوراً، خلدت الريح للوسن، سكرت من جمالك، لمعت البروق وعبق المكان بالمسك والخمرة، نبتة زاهية تهفو إليها الطيور تعشش بين أفنانها وأوراقها، عيناك الواسعتان ترسمان دروب الحياة، تبدلان صورة المدينة، كم رائعة هذه المدينة التي خفت من أناسها وشوارعها! الأشجار لا تموت إذا حنت جذعها للريح، إذا بدلت أوراقها، كلمات فرات تبدل حياتك، تجعلك فراشة تهيم فرحاً، تستعيدين طفولتك المصادرة، ومجيئك أول مرة إلى العاصمة، يوم بدا لك كل شيء غريباً، الشوارع، الحارات، الحدائق، طيور الحب التي ترفرف في سمائها، سألت عن أسماء الشوارع والأحياء والأسواق، لم تجدي لبلدتك أو محافظتك أي ذكر، لم تتخلصي من خوفك إلا بعد أن سكنتها، وجدتها أليفة، بل أجمل مدينة في العالم، نظرت إلى ذاك التل واحتضانه البيوت القديمة والسيارات والعمارات الشاهقة، سمعت عنه وعن أجداده أساطير وقصصاً ليس لها آخر عن ولادته من رحم إلهة كنعانية، في الليل ومع النسيمات المعطرة بالياسمين، يتحدث عن أخبار المدينة العاصمة التي لا تظلم أحداً، حتى الفاتحين وجدوا فيها الأمان.
شدكِ الجبل بعنفوانه، بتاريخه العريق، قررت خوض مجاهله والصعود إلى بعض أحيائه، اتجهت إلى حي الشيخ محي الدين، قصدت بيت الناعورة، صعدت بصعوبة الدرج اللولبي الضيق، بدا عليكِ وعلى الناعورة التعب، ثمة ما يشير إلى أنها أدت دورها بشكل رائع، رفعت المياه أجيالاً متعاقبة، وحافظت على هيكلها، هي من جملة نواعير عفا عليها الزمن، من هناك استأجرت سيارة نقلتك إلى نقطة توصلك إلى جبل الأربعين، مشيت حتى وصلت إلى كهف ما زال صورة عن عصر حجري، عن قلب حجري، علامة أبدية وشهادة على رفض القتل والجريمة.