عاد الوقت الهرم غير المحتمل إلى طفولته وصباه، وشطب ما ضاع من أيام، دروب الأمس غير دروب اليوم، تقفين أمام المرآة نصف ساعة ترتدين لباسك، وتصففين شعرك، تشعرين بقوة عزيمتك، وترسمين بأناملك الفتية اللمسات الفنية على وجهك وجسدك، تبدين أنيقة، تحملين حقيبتك وتخطين خطواتك المتزنة التي توحي بالثقة، لتعوضي ما فات من أيام السجن، بعد أن تأكدت أن غريمك الصلصال معتقل، تنهين فترة القحط التي سافرت عبر الزمن، تخرجين يلفك عطرك، صبية لا تتعب ولا تحسب حساباً للوقت.
مع بداية خطوات النهار تحتضنين الأشعة وترسلين مع ابتسامتك عبقها إلى كل مكان تصل إليه، تتجولين في الشوارع والأحياء البعيدة عن وسط المدينة، حيث الشوارع العريضة والأبنية الفخمة المسورة بالياسمين البلدي الأبيض، يبدو زهره على حديد الأسوار أشبه بتعاقب الليل والنهار، في بعض البيوت أشجار الأكيدنيا التي تستعد للإزهار بعد أيام لترتدي حلتها الجميلة، تبدين فتاة عصية على الوصف ذات مزاج متقلب، مرة رأسك يؤلمك، وفي مرات أخرى يثرثر ويشعرك بالخوف، هذا اليوم استثناء من حياتك، تكشفين طعم الحياة، نسمات حارة توشوش وينبئ اشتدادها عن حالة غير مستقرة للطقس، تدخلين ازدحام الشوارع، تلاحقك الجمل والكلمات تعبيراً عن إعجاب أو قلة حياء، المراهقون وبعض المتصابين يلحقونك، يعلقون، تتجاهلين ما تسمعين، يتمادى أحدهم ويحسّ كوعه بصدرك فيكاد يمعس نهدك، تشتمينه وتبادرين إلى صفعه، يجتمع الناس ويحيطون بكما، يتدخلون لصالحك دون أن يعرفوا الموضوع أو الإشكال الذي حصل، ينظرون إلى عينيك وفي نيتهم اقتطاف ابتسامة أو موعد، إلا أنك تتابعين سيرك دون أن تلتفتي، نسيت ما حصل، شعرت أنك جزء من الطبيعة، توحدتِ بما حولك من جمال، تحفظين الألوان في عينيك، الحياة جميلة وعليك أن تنسي لتظل ابتسامتك مشرقة، أنت كأية فتاة أملود تحاصرك الأعين أنى ذهبت، في السيارة يضطر جسدك اللدن ورشاقتك إلى الابتعاد عن الازدحام والوقوف إلى جانب فتاة، لكن هذا لا يعفيك من المضايقات، أحياناً يضطرك التدافع إلى النزول قبل المكان الذي تريدينه، يتواطأ بعض الشباب يضعونك وسطهم، مع ميلان الباص يقترب أحدهم ويلتحم بجسدك في وضع شاذ، إذ قد تجدين نفسك في حضنه، الأنفاس تضايقك، تحسين بالقرف والتقزز، يتصبب العرق وأنت تجاهدين للوصول إلى الباب والنزول.