وقفت تراقب مشيتها، تراقب اجتيازها للأمتار الباقية، ابتعدتَ قليلاً لتراها وهي لا تراك، قبل اجتيازها الباب الخارجي، التفتت فلم تجدك، دارت نصف دورة رأتكَ، تظاهرت بتسوية هندامها وظلت تراقبك حتى اختفيت عن عينيها.
في صباح اليوم التالي نهضت باكراً كعادتك، بدا عليك القلق، إنه أول أيام العطلة الصيفية، تذكرتَ أمس والأيام السابقة والشهور الماضية، تذكرت الفصول الأربعة، نظرت إلى وجهك، المرآة بدت غير أليفة، أظهرت الشحوب، الوقت يمر ببطء، عليك أن تتعود البعد عنها وتصبر، تحسُّ بالألم في صدرك، أحسست بوطأة الوقت، بعد الإفطار شعرت بحاجة إلى رؤيتها، أتذهب إلى بيتها، أم تقف قريباً منه؟ يكفيك أن ترى وجهها وترجع، قادتك قدماك إلى حارتها، ازدادت دقات قلبك، تحسب ألف حساب لرؤيتها، جسدك يرتعش، هل هذا موقف رجل مثلك؟ الحب أعادك إلى طفولتك وطيشك، نسيتَ من أنت وأين تعيش! وأن ما بينك وبينها علاقة لا تسمح لك بقرع بابها ولا انتظارها في الشارع أمام البناية التي تسكنها، أشعلتَ لفافة ووقفت على الرصيف المقابل لشقتها، مضت دقائق شعرتَ أنها ساعات، خانتك قدماك وعدت من حيث أتيت وأنت أشد حزناً.
بعد يومين ذهبت إلى الموعد قبل نصف ساعة، شعرت بألفة المكان ومحبته، وددت لو تحتضن حتى محتوياته، على الطاولة التي ألفتماها جلستَ تنتظر، عيناك تراقبان القادمين، هل تأتي قبل الوقت أم تتأخر قليلاً؟ أي الفساتين ستلبس، ربما الأحمر لتشعل بفؤادك حريقاً، لا تطفئه رغوة الإطفاء ولا مياه المحيطات، كلما دخلت واحدة تظنها هي، تشرئب نظراتك وعندما تتأكد أنها ليست هي تحزن، وتراقب من جديد وقلبك يقفز داخل القفص الصدري ككرة القدم، عاجز عن إيقاف هديره، أخيراً جاءت قبل دقائق من الموعد، ابتسمتَ ودققت النظر بقوامها، إنها الأجمل والأبهى، كل شيء فيها تغيّر، وقفت لاستقبالها، طفل لا يجد كلمات الترحيب لروعة قدومها، جاءت وكل شيء فيها عذب وشفاف، يتماوج قوامها، خصرها، شعرها الذي ردته على كتفيها، وهي تقترب متمايلة دلالاً، بدا جسدها الطفولي رشيقاً، عقدت منديلها على جيدها لتغطي جزءاً من عنقها المرمري، حيتك وجلست، تسللت يدك وضغطت على كفها، قالت:
- أكثر من زميلة رأتك توصلني للمدرسة في آخر يوم دراسي!
- ما الغرابة؟
- سألنني فأحرجت كثيراً!