لم تحزم أمرها ما زالت على مفترق طرق، لم تقرر بعد إن كانت ستسافر إلى أخيها وتتم دراستها هناك، أم تقبل خطوبتك وتظل وكيلة تدرس الأطفال، تعطي أمها جزءاً من راتبها، تؤجل كل شيء، الخياران صعبان، قررت ألا ترهق تفكيرها، تركت مصيرها للزمن، في آخر يوم دراسي انتظرتك على الموقف كما كانت تفعل، تزينت، كلها أنوار وشموس وأقمار وعطور، انتشر عبقها وعانق الأنوف، أطياف متاهات تغلف نظرتها، عيناها يلفهما القلق، أرجوان شفتيها يفقد احمراره ونضارته، ورود خديها المدماة تلبي فزع الروح، تتشح بغلالة من الحزن كيوم التقيتها أول مرة، غشاوة من الدموع تحجرت داخل عينيها، العبرات الفضية تحكي قصص الماضي والمستقبل، تتراقص بسمة خجولة على شفتيها للحظة ثم تختفي، وقفتما وجهاً لوجه، الغمام يسافر بعد أن يدع مطره يتهاطل، يضيع في بؤبؤ عينيها وفي زرقة السماء، ودون أن تنطقا قرأ كل واحد أعماق الآخر، أمواج العواطف تظهر تعبيراتها وتتفاعل في داخلكما، أمواج من نظرات غائمة تعزف نشيدها المر، تقترب منك أكثر وتضع يدها في يدك، قالت:
- سنلتقي يا حامد ولن يردني عن رؤيتك سوى...
- أعطيك عمري!
كان لجوابك مفعول سحري، اتكأتْ على الحائط وحدقت بك:
- دعني أرسم وجهك في عينيّ، قبل أن أرسمه على الكرتون!
في عينيها سحب بحجم العالم، وجهها البهي تسلقه الضباب كقنديل خفت ضوءه، شعرها الملتف بمنديل يشع بريقاً، تركت ذوائب منه تتدلى إلى عينيها كسحابة ندى، نظرتَ إليها، أشعلت فتيل الوجد، حملت النسائم أغنية «يا خوفي من عتم الليل...»، ابتسمتَ وحدقت إلى عينيها، وبحت بما في صدرك:
- أنتِ وردة عمري، أخسر حياتي إذا لم أرك كل يوم.
- لا تقل ذلك، قلبي لا يحتمل عذوبة كلماتك، لا تتصور كم تفعل فعلها، ألا تكفي نظراتك؟ يا إلهي أشعر بضعف! لغة البوح تجعلني أتكوم على الأرض بلا حراك، إبعد نظراتك ودعني أسرح بفكري!
- لا أفهمك!
- لن تفهمني يا حامد!
- تحدثي بصراحة، أما زلت تخافين أمك؟ عيناك تفضحانك!
- افهمني يا حامد أنا مهزومة من الداخل، أعترف أنك أعدت التوازن لحياتي، لكن الحياة بقدر ما تعطي تأخذ، قل ما شئت، أنا لست متشائمة، إنما لا أريد أن يوصلني حبك إلى حافة الجنون!
أوقفت تكسي وطلبت إلى سائقه التوجه صوب مدرستها، نزلتما قريباً من الباب الخارجي، لوحت بيدها وقالت: نلتقي!