تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الغرب سحب بيضاء تدثرت برداء رمادي، دهمتهما الظلمة، تتحرك السيارة وتتجاوز مدناً وبلدات عريقة، تبدو كالنجوم السابحة في الفضاء، شيئاً فشيئاً يشتد لمعانها، في الوقت الذي تبرز فيه نجوم جديدة، لتتحول الأرض والسماء إلى مجموعة قوافل غجرية، تحمل مصابيحها غير قادرة على تجاوز محورها، أسرعتا إلى مركز الانطلاق، شعرتا بحب عارم للعاصمة، لوحتا للبحر الذي اغرورقت عيناه بالدموع، وبلغة أوغاريتية وعدهما أن يتأدب أكثر في المرة القادمة.

-25-

قارب العام الدراسي على نهايته. شهر رمضان ما زال في بدايته. لن ترى فرات إلا بموعد مسبق، الآن أدركت أن أيام الدراسة جميلة ورائعة، كل يوم تنتظرها عند موقف العباسيين، تأتي مغردة، تشبك يدها بيدك، تصعدان الميكروباص الذاهب إلى باب مصلى، في الشهر الأخير سمحت لك أن توصلها، تلوح بيدها وهي تدخل باب مدرستها، شعرتما بأهمية اللقاء الصباحي، الأيام تفلت من أيديكما كالماء الذي لا أحد يستطيع القبض عليه.

أحسست بلوعة فراقها قبل وقوعه، بحثت عنها في ذاكرتك، بدأت تستعيد حديثها، تتخيل قوامها، رنين ضحكتها وشذا عطرها، الملائكة المزروعة في رشاقتها، تتمنى أن تعيش مع طيفها، غير قادر على إبعادها عن مساحة تفكيرك، طيفها تسلل إلى الشرايين والأوردة، صار من مكونات الروح، تعشش في خيالك طائراً مغرداً، كيف ستصبر على بعدها؟ شذا ياسمينها يشدك، يوزع الصخب في أوردتك، عيناها تغردان وتتوهجان، تبحران في القادم من الأيام، أفق وجهها شمس تنير وتدفئ، شفتاها الرطبتان تهمسان بأذنيك، تصيغان أحلى الكلام، المرح الذي يضفيه وجودها، كل هذه الصور وغيرها خيول تتقافز في رأسك المتعب، جففت نقاط العرق عن جبينك، تتعزى بالصبر كما أوصتك، ترسل بصرك إلى البعيد، تهدم الأسوار وتصل إليها، لن تطلب أكثر من ابتسامة وموعد قريب.

روايات · الصفحة ١٠٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٥٣