تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البحر يوزع موسيقاه على إيقاع أمواجه وألوانه المتداخلة، يكره ارتداء لباس من لون واحد، إذ لا يكفي ذلك للتعبير عن أعماقه وأبعاده وانعكاس زرقة السماء وعربدة القمر، يدفع مده الذي يتناثر سحابه ويتشاجر مع أقدامهما، استنشق ضوعهما، توحدتا مع جنونه، انبطحتا على الأرض، يمامتان أو بطتان أجمل من جنيات البحر، جسداهما يبرقان، لن يهدأ الموج ما دامتا على الشاطئ، ترى أي منهما ملكة الساحل لذاك اليوم المصادف لأواخر آب عام ثمانية وثمانين، دفعت هلا رفيقتها ورشقتها بالماء وهي تقول:

- هيّا يا عزيزتي إلى الماء نتحداه ونفقده وقاره وشموخه.

- بدأت بالفلسفة، لا تدعي خيالك يذهب بعيداً، أيتها الجنية التي لن يختار البحر سواها، أنسيت أنك نحيلة لدرجة أنك قادرة على سباقه والرقص على أمواجه، البحر أيتها الشقية يحب من خبرت الحياة، ليتعلم منها درساً في العشق.

- البحر يا فرات يهوى الفن، يموت فيه، صدقيني لن يختار غيرك لتكوني عروسه.

سبحتا قريباً من الشاطئ، البحر المجنون يطاردهما، تبتعدان إلى الهضاب، تتبعهما الموجة، تكتشف ما حفظه الأجداد، تفتح فاها وتلفظ أول حرف من الأبجدية، ترتد مسرورة لتسافر عبر السفن إلى بلاد وجزر بعيدة، تعلم أهلها ما عرفته.

عادتا إلى البحر، المياه المهددة بالاحتراق تستجدي الغمام، عاد الموج لعربدته، استجمع قوته ورشقهما، دعاهما للتوغل، لم تتجرأا، طيور النورس تواصل طيرانها، ترى التماع الأمواج وشفاه الزبد الثلجية، وحزم الضوء التي تسافر إلى الكورنيش كل مساء، راقبتا زرقته التي اختلطت بالسحب الرمادية، نسيتا متاعب العاصمة، هما كالأطفال في أواخر العطلة الصيفية، تحاولان القبض على كل دقيقة، أن لا تفلت من أيديهما دون لعب ومرح، تبنيان بيوتاً من الرمل، أطفالاً، مدناً، تشرف الشمس على الغوص في مياهه، تذبل أشعتها وتصفر قبل أن يلتهما البحر، شعرتا بالبرودة، ريح مشبعة بالرطوبة تضرب صفحة الماء، السحب تهرول لتحيل الساحل إلى ساحة قتال، تنسحب الأطياف غرباً، لابد من قافلة متجهة إلى دمشق شبيهة بتلك السحب، شمتا رائحة بخور، تفاءلتا وشبكتا أيديهما وركضتا.

روايات · الصفحة ١٠٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٥٢