مع ساعات الفجر الأولى قررتا السفر لتصلا حوالي العاشرة. بقايا الظلام تخيم على الطريق. لا شيء سوى بعض البلدات التي تتراءى أضواؤها. الركاب يغطون في النوم، ما بين الصحو والنعاس يتراجع الغبش، وتبزغ من الشرق ألسنة نيران قبيل الوصول إلى مدينة حمص، راقبتا البرتقالة كيف ترتفع لتستقر على بعد أمتار من الأفق، تتثاءب الألوان وتنهض من سباتها وخلال زمن قصير تفرض مساحاتها، أراض خضراء وتلال عريقة تضم قلاعاً وبلدات مجهولة، تطل بابتسامتها، قلعتان أشارت اللافتات إليهما، قلعة الحصن في تلكلخ وقلعة المرقب قبل الوصول إلى اللاذقية، تبدوان وكأنهما معلقتان في الأفق، خط دفاعي يصعب اقتحامه.
حوالي التاسعة والنصف وصلتا، انطلقتا إلى الساحل الصخري الجنوبي حيث ينتشر الصيادون على الصخور الملساء، التي نقش عليها المدّ خطوطه ورسم أبجديته، تلهث الأمواج، تتعب، يخرج الزبد من بطنها. تبدو بعض تجويفاتها فوضوية وأحياناً هندسية، وكأن يد فنان نحتتها، حزمة ألوان تعانق الأمواج، يتحول اليمّ إلى طيف يحتوي عشرة ألوان بل عشرين وربما أكثر.
الفجر القرمزي غسل العتمة وبدّد قطرات الضباب وأعطى الأشكال ألوانها وحجومها، انحدرت الزرقة لتغطي الأرض والبحر بلونها اللازوردي، الصباح أهدى شموعه وزقزقة عصافيره، شعرتا بالألفة وبنهار جميل وبهي مع ارتفاع الأشعة التي التهمت وحوش الأرض، في داخلهما حب كالأمواج، أحسَّ البحر بفتوتهما وطيبهما، ركض إليهما وركضتا إليه، تمرران أصابعهما في طيات أمواجه، بينما ديك قريب يعلن عن نهار كله إلفة وعشق، استنفر دجاجاته ومشى في المقدمة يستطلع جديد ذاك اليوم.
اقتربتا من صيادين يلقيان بصنارتيهما في الماء، اصطادا أسماك «سرغوس» الصغيرة، كانا فرحين، دعوهما لتناول وجبة من الأسماك المشوية، لكنهما ابتعدتا وسارتا عبر الدروب الضيقة، وعندما تعبتا اتجهتا إلى أحد المقاهي، شربتا عصير ليمون، ثم استأجرتا تكسي لينقلهما إلى الرمال الذهبية، حيث البحر أقل عربدة، تنساب أمواجه على الرمال، ركضتا، لعبتا، ثم وقفتا تتابعان حركة المدّ المستمرة. فتاتان رائعتان واقفتان على الشاطئ، تعرتا قبيل الظهر، انسكب النور على جسديهما البلّوريين، فقد البحر ليونته وأصيب بلوثة، المدّ بطلته البهية وخربشاته يغزو اليابسة.