وعدته أن تخرجها من صمتها ومن أحزانها بعد الامتحانات، لكن الفحوص انتهت ولم تنته عدتك وأحزانك، بل بدأت تتجاهلين نداءاتهما، توجت ذاتك أميرة للأحزان، وحولت أسرة أخيك إلى مراقب لآلامك، لم تعجبهم حالتك إذ شارف جسدك على الذوبان، وفقدت ربع وزنك، فكرت أن تريحي وتستريحي، لكن الانتحار هروب وأنت تفضلين الصمود والوقوف وتحدي الزمن.
في الزمن الخارج عن إرادتك، الزمن الذي لم يلد من رحم الحياة، يصير الموت رحمة، وتصير آلامك واقعك الذي تتلذذين بتجدده، نقّلتِ عينيك ما بين المرآة والجدران، رأيتهما مغسولتين بفيض العبرات، تومضان فإذا الرعد يقصف في جمجمتك، فتتهاطل الأمطار الغزيرة، هربت إلى الكتابة، تكتبين وتمزقين أوراقك، بودك أن تكتبي قصتك، تصفي ما حدث، تنتقي شخصيات أخرى وترسميها في خيالك من لحم ودم وتسألي الآخرين عن رأيهم، استخففت بمثل هذا الرأي الذي يكشف خبايا نفسك، هل من المعقول وضع مشكلتك على بساط الأدب؟ ماذا يقول الأدباء؟ وماذا سيقول الناس؟ ماذا لو وصفك أحدهم بأنك متواطئة مع شخصياتك؟ هل ستسكتين وكأن الشخصيات لا تهمك، أم ستردين بقوة وتبدين متحيزة؟ أنت تعرفين أن التحيز والتواطؤ لا يجوزان، على الآخرين أن يعطوا رأيهم وقناعاتهم وعليك أن تصغي، ماذا لو وصفوا الفتاة بأنها لعوب، لا تملك ذرة أخلاق، أتعبتك هذه الهواجس، فقررت العدول عن الكتابة، ما دامت ستزيد همك ولا تقضي عليه، ثم إنك ستدخلين الأدب من باب مخلوع يأتي بالريح.
ذات صباح فاجأك أخوك باش الوجه، طلب أن يأخذك إلى السوق، استعدت قصتك وكيف جاهدت للخلاص من أنياب الوحش، الذي قد تجدينه ثانية أمامك، ماذا بوسع أخيك أن يفعل؟ لم تردي لكنه لم يتركك، مد يده لإنهاضك، تشبثت بالأرض وبكيت فتركك لوحدتك، لفكرك الذي يجول داخل الغرفة، لهمومك التي لا يعرف عنها شيئاً، شيء ما فوق طاقته يجعله يتساءل، يطرق السؤال جدار مخيلته، لماذا؟